الثلاثاء، 29 ديسمبر 2015

رواية اورويل الخالدة 1984 واسقاطات على الحالة المصري

رواية جورج اورويل الخالدة 1984، هي من الروايات القليلة التي تصيب كل من يقرأها بحالة من الابهار والإعجاب، وذلك ليس فقط من قوة اللغة وجمال السرد، ولكن والأهم لما فيها من نظرة مستقبلية للأحداث وتحليل سياسي مبدع، يجعلك وبدون أن تتعمد تسقط كل ما جاء فيها على الأوضاع الحالية وأساليب الديكتاتوريات والأنظمة الإستبدادية في تغييب واستئناس الشعوب وكذلك في أساليب السيطرة على الجموع ونشر الرعب من أي محاولات إنقلابية على سلطة الأخ الأكبر، وكيف تدار الألة الإعلامية ليس من أجل نشر المعرفة والحقيقة وإنما على العكس من أجل تغييب الحقائق والعبث باللغة وتزوير التاريخ بما يفيد الحاكم الواحد ويعزز من مكانته لدى الجموع.
حتى الحقائق الأكثر منطقية يمكن العبث بها، ففي حوار بين اوبراين ووينستون يتهم اوبراين صديقه بأنه بطئ التعلم وعندها ينتحب ونستون ويقول كيف يمكنني أن اكذّب ما تراه عيني ان 2 + 2 = 4 فيجيبه اوبراين ان الناتج قد يكون 4 وقد يكون 5 أو 3 وأحيانا يساوي 3 و 4 و 5 في آن واحد.
أتذكر هنا تصريحات السادة الوزراء في عامنا هذا الذي أوشك على الإنتهاء، منها تصريح وزير الإتصالات عن الانترنت "سرعة الانترنت هاتبقى فووووو"، وتصريحات وزير السياحة بعد كارثة سقوط الطائرة الروسية "هانسد الخرم اللي انتوا قلقانين منه" ، أو تصريح وزير الشباب والرياضة خالد عبد العزيز الذي يقول فيه " مفيش بطالة وراتب الطفل في البقالة 3000 جنيه" أما التصرح الأكثر إثارة للتأمل فكان تصريح وزير البترول اللوزعي طارق الملا أن "أزمة البنزين إيحاء نفسي!!!!".
كذب عينيك ولا تفكر كثيراً ولا تشتكي، كل شئ متوفر ولا يوجد مشكلات، وإن وجد فهي فيك أنت، أنت كسول لا تحب العمل وأزمة المحروقات هي أوهام ينسجها لك عقلك المريض.
أما أروع ما قرأت في الرواية فهو محاولات الحزب الحاكم المنظمة لطمس اللغة وتجريدها من مزاياها وذلك بأساليب شيطانية، فهم يعمدون إلى تقليل عدد المفردات المستخدمة في الصحف ووسائل الاعلام، حتى أنهم يعمدون الى قتل عشرات المفردات يوميا حتى لا يجد الإنسان وسيلة للتعبير أو التفكير وبدلا من أن يكون التفكير مجرم يصبح غير ممكن من الأساس وبتعبير الكاتب "إننا نسلخ اللغة حتى العظام"، "كل مفهوم يحتاج إليه الناس سيتم التعبير عنه بكلمة واحدة محددة المعني وغير قابلة للتأويل .. أما معانيها الفرعية فيتم طمسها حتى تصبح طي النسيان " "الكلمات تتناقص عاما بعد عام .. كما يتضاءل مدى الوعي والإدراك شيئا فشيئا .. بل وحتى في الوقت الراهن ليس هنالك سبب أو عذر يبرر اقتراف جريمة الفكر .. لقد باتت المسألة مجرد انضباط ذاتي وضبط يفرضه المرء على واقعه .. وفي النهاية لن تكون هنالك حاجة حتى لذلك ." ثم يختتم الكاتب هذه الفقرة باستنتاجه المبدع "ستبلغ الثورة أوجها حينما تكتمل اللغة ويتم إتقانها!".
أليس هذا ما يحدث حولنا بالفعل، بنظرة سريعة وفاحصة على ما يبثه التلفاز من برامج، ستجد لغة هابطة خالية من أي جمال وأسلوب سوقي مثير للإشمئزاز ومقدمون لا يتمتعون بالحد الأدنى من المهارات اللغوية والحوارية وثقافتهم غاية في الضحالة والفقر.
لا يختلف الأمر عندما نحاول أن نتفحص الأفلام والمسلسلات المقدمة في عصرنا هذا، نفس الألفاظ السوقية نفس الهمجية لا تطرح فكرة ولا تقدم حتى قيم جمالية.
وفي حوار أخر بين وينستون واوبراين يتسائل اوبراين: "كيف يؤكد إنسان سلطته على إنسان آخر يا وينستون ؟"
فيجيبه وينستون ببساطة: "يجعله يقاسي الألم"
ثم يسترسل اوبراين في شرح ما فهمه من الإجابة فيؤكد أن الطاعة ليست كافية وأنه يجب ان يقاسي الإنسان الألم لتعرف هل هو ينصاع لإرادته هو أم إراداتك انت!
ويعرّف اوبراين لنا السلطة قائلاً: "إن السلطة هي إذلاله و إنزال الألم به، وهي أيضا تمزيق العقول البشرية إلى أشلاء ثم جمعها ثانية وصياغتها في قوالب جديدة من اختيارنا."
وفي النهاية يصل إلى استنتاج أكثر دقة حيث يصف عالمنا بأنه عكس اليوتوبيا وأن عالمنا لا مكان فيه سوى للخوف والغضب والإنتشاء بالنصر وإذلال الذات.
هل يختلف هذا كثيراً عمّا نراه حولنا من قتل تحت التعذيب واختفاء قسري وسجون لا تحمل القدر الأدنى من المواصفات اللائقة بالبشر، هل يختلف ذلك كثيراً عن سجن الصحفيين وإسكات أي صوت معارض أو حتى مفكر ومطاردته الى أقاصي الأرض وكيل التهم له بالخيانة والعمالة وحتى الكفر .... الخ
ويمضي بنا اورويل برحلة في فكر الديكتاتور فيقول: "إننا ندرك أنه ما من أحد يمسك بزمام السلطة وهو ينتوي التخلي عنها.
إن السلطة ليست وسيلة بل غاية، فالمرء لا يقيم حكما أستبداديا لحماية الثورة، وإنما يشعل الثورة لإقامة حكم استبدادي.
إن الهدف من الاضطهاد هو الأضطهاد، والهدف من التعذيب هو التعذيب وغاية السلطة هي السلطة."
ومرة أخرى لا تغيب كلماته عن الواقع المعاش حولنا، وحتى بعد ثورة أسست لحكم أكثر ديكتاتورية، يدور النقاش الآن بين الأعضاء "المنتخبين" - اذا جاز لنا هذا التعبير - حول مد مدة حكم الرئيس وبالتأكيد لن يمانع هؤلاء في جعل الرئاسة تمتد به حتى نهاية العمر.
الأنظمة الإستبدادية لا تريد منك فكرا او فهما وإنما تريد ولاءً فقط وهو ما يتم غرسه في الجنود فيطيعون الأوامر دون تردد ودون تفكير، وهنا يأتي التعريف المعجز للولاء "الولاء يعني إنعدام التفكير، بل إنعدام الحاجة للتفكير، الولاء هو عدم الوعي. "
إن حزب اورويل يصل في استبداده أن يزرع الميكروفونات في كل مكان ويضع كاميراته في كل شارع ويضع صورة الأخ الأكبر في كل ركن وعلى كل مبنى، ينظر اليك ويراقب ولائك، وحتى الحب أصبح محرما في شريعة الحزب فهو قد يؤثر على ولائك وأصبحت العلاقات هي خدمة يؤديها المواطن للحزب لينجب أطفال تقوم بخدمة الحزب، وغير ذلك فهو خيانة يعاقب عليها القانون.
هل يختلف ذلك كثيراً عن التسجيلات التي تبث بين الحين والأخر للمعارضين والغير مطيعين لتفضح حياتهم الخاصة وتبين للآخرين أن الجميع مراقب وأن الجميع تحت السيطرة وأن الذي سيخرج عن النص سيتم تحطيمه بشكل أو بآخر والقضاء عليه ما لم يعود الى حظيرة النظام.
أو كما قال وينستون: "لم يعد هناك مكان أمن سوى سنتيمترات معدودة في الجمجمة!"
وتنتهي الرواية

الثلاثاء، 28 مايو 2013

أنا لم ألوث مياه النيل

آه يا روح الأرض .. يا إكسير الحياة .. يا دمعات السماء التي تترقرق خيراً ووفرةً وخصباً ونماء .. يا من علمّت البشر الحكمة والصبر والعمل وصنعت حولك أرقى وأعرق الحضارات الإنسانية .. هل من أرضها من لا يعرف فضلك؟ .. هل من أرضها من لا يدين لك بالحياة؟ .. هل من أرضها من لا تجري في عروقه مجرى الدم وتسري في جسده مسرى الروح؟ ..

"-أنا لم أغضب والدى ..  
-أنا لم ألوث مياه النيل. 
-أنا لم أصد الماء فى وقت جريانه.
-أنا لم أنقص القياس، ولم اغش فى الكيل ولم أطفف فى الميزان .
-أنا لم اطرد الماشيه من مراعيها.
-أنا لم أتسبب فى بكاء أحد.
-أنا لم أحرم انسانا من حق له.
-أنا لم أختطف اللبن من فم رضيع .
-أنا لم أطفىء شعله فى وقت الحاجه أليها."
                                                       كتاب الموتى
 
هكذا قال الأولون .. من تعلموا منك العطاء وعرفوا فضلك .. من علموا أنّه لا حياة لهم بدونك ولا بقاء ولا رغد.. وهكذا كان من تلاهم على العهد والوعد باقون .. مهما ثرت ومهما ضننت .. فأنت الحياة قسيت أم حنوت .. 
في كل العصور لم يملك الناس الا العرفان والحب .. حاولوا تطويعك وعملوا جاهدين على نيل أقصى ما يستطيعون من خيراتك .. وكنت دائماً عند العهد بك .. لم تخلف ولم تخون .. حتى خانوا العهد .. احتكروك بوحوش أسمنتية واستراحات للخاصة منهم ..  حجبوا رؤياك الحبيبة عن أبنائك .. لوثوك بمخلفاتهم .. قتلوا فيك الحياة وتركوا الأرض عطشى لك .. أرض بلادي التي طالما أنبتت أجود وأروع ما تنبت الأرض .. وفلاح بلادي الذي يحمل في جيناته خبرة ألاف السنين .. نبت بلادي الذي اقتات منه أعداد لانهائية من بشر وحيوان وطير.. والأن لا يجد أبنائها ما يقيم أودهم!! .. هل كنا ندرك أن الأسوء قادم؟ .. أن يمتنع عنّا أحد روافدك فيزيد العطش ويمتد السرطان الأصفر فيطغى على الأرض الخضراء .. ولا تجد من ينطق أو يرفع صوتاً محتجاً أو رافضاً .. لا كلمة .. لا فعل .. لا قرار وكأن المصيبة ليست عامّة ولا هامّة .. وكأن من بيدهم الأمر معنيون بإحراق الأخضر واليابس وقطع موارد الحياة عن الجسد الواهن!!   
وحتى في أحلك الأوضاع لا تتوقف آلة أكاذيبهم عن العمل .. فهي الشئ الوحيد الذي مازال يعمل وبكفاءة منقطعة النظير .. كذب غبي مثل من يطلقه .. كذب يثير الغضب فكأنهم يتحدثون لشعب فاقد العقل والفهم .. يجمعون أن سد "النهضة"- وما أكثر ما سدت النهضة في وجوهنا من ابواب - لن يؤثر على البلاد!!! .. فإذا كان نقص 12 مليار متر مكعب من أصل 55 لن يؤثر مع ما في مصر من فقر مائي "حد الفقر المائي بحسب الأمم المتحدة ألف متر مكعب سنوياً للفرد .. ينال المواطن في مصر 640 متر مكعب سنوياً فقط".. وإذا كان خفض توليد الكهرباء بنسبة 30%  - مع ما في البلاد من أزمة حقيقية في الكهرباء - لن يؤثر .. ناهيك عن الأثار المدمرة الأخرى للثروة السمكية والملاحة النيلية .. كل هذا في عرفهم يمكن الغاءه بكذبة جديدة تضاف إلى سجل أكاذيبهم اللانهائي .. ماذا بقى فيكِ يا بلادي على حاله في عصر الانهيار والانحلال .. هي طعنة جديدة في الجسد الواهن .. ولكنها هذه المرّة .. قاتلة!

الثلاثاء، 5 فبراير 2013

وكأن شيئاً لم يكن

عامان مضا .. خفَت الحلم .. وبهت الأمل .. وعاد الغضب يعصف بالنفوس .. وكل يوم يتكشف لنا مدى سذاجتنا وفداحة أخطائنا .. وكأننا لم نكن أكثر من لعبة يتحكم بمشاعرها وتطلعاتها لاعب ماهر لتحقق له أهادفه ولا يهم بعدها أن تنكسر أو يلحق بها عطب لا براء منه.
وكأننا سقطنا في فجوة زمنية حيث الأيام تتكرر بحذافيرها .. نفس المطالب .. نفس الأساليب .. نفس الإتهامات .. نفس الوجوه تطفو حينا وتغيب حينا لتعاود الظهور مجددا .. وقطار الكوارث يسير في اتجاه واحد نحو الهاوية لا يلتفت للجثث التي سقطت تحت عجلاته .. ولا يعي السائق نفسه أن السقوط في الهاوية لن ينجو منه أحد لا راكب ولا قائد .. وحتى خيار القفز لم يعد متاحا بعد الأن .. فالحساب ولابد قادم وأقرب مما يتصور أحد. 
يطالب الناس بعدالة إجتماعية يتحقق فيها تكافؤ الفرص وينال كل مجتهد نصيبه على قدر جهده ومؤهلاته .. وتظل الأولوية للأهل والعشيرة وأصحاب الثقة دون أصحاب الكفاءة والمؤهلين .. وحتى أن مطلب كوضع حد أقصى للأجور لن يكلف خزانة الدولة شئ بل على العكس سيوفر الكثير ويشعر العاملين في نفس المكان بوجود شئ من العدل .. توضع في طريقه العراقيل لتظل نسبة محدودة من كل مؤسسة تستنزف خيراتها بلا أحقية. 
يطالب الناس بإصلاح أحوالهم الإقتصادية فترتفع أسعار السلع وتزيد الضرائب وتشتعل تكلفة الخدمات المتهالكة من الأساس.
يطالبون بإحترام أدميتهم ومعاملتهم كبشر فتتفنن الحكومة في إيجاد سبل لإنتهاك وإهدار كرامتهم وأدميتهم وأي قيمة إنسانية لديهم. 
يحتجون على الموت تحت التعذيب فتزيد معدلاته وتعلو وتيرته ولا أحد يُحاسب. 
يطالب الناس بعقاب المهمل والإهتمام بأعمال الصيانة والرقابة حفاظاً على الأرواح فتكثر حوادث الإهمال الدموية ولا من محاسب ولا من مراقب.
لا يلوح في الأفق بوادر تحقيق لأي مطلب شعبي مهما كان شرعيا وبسيطا ولا حتى أي محاولة على الطريق لتحقيق هذه المطالب .. وكأنهم يعملون فقط على كسر ارادة الشعب وإحباطه والكيد له وتحطيمه نهائياً. 

كثيراً ما كنت أعجب للإتهامات المعلّبة الجاهزة التي كانت تلاحق المعارضين سابقا بالعمالة والخيانة لأمريكا والصهيونية العالمية .. وكنت أتسائل كيف يقول ذلك نظام تتغني الإدارة الأمريكية والحكومة الإسرائيلية بكونه الصديق والكنز الإستراتيجي .. ولا يتغير الأمر الأن فالإتهامات مازالت تنهمر على كل معارض ومُطالب بالإصلاح ولكن أضيف اليها الكثير من عينة كافر وعلماني وليبرالي وشيوعي ومسيحي ومن أعداء الإسلام ... الى أخره من الإتهامات التي تنهمر عليك في كرم بالغ. 
ولا يمانع البعض من اعتبار مطالباتك بالإصلاح إفساد في الأرض وخروج على الشرعية ويستوجب بحسب شريعة المتأسلمين حد الحرابة. فلا يهتز لهم جفن من رؤية شباب يافع ناجح يُقضى تحت التعذيب بعد أن تم كهربته وتكسير عظامه واسنانه وسبل عينه بوحشية وبشاعة عز نظيرها!

لا يمانع هؤلاء في التحريض على التحرش بالفتيات الثائرات فهذا من وجهة نظرهم مشروع لترهيبهن وليبقين في المنزل ولا يزدن أعداد الأعداء بحسب تعبير بعضهم. 

لقد كنت أحد الذين لم يمانعوا في حكم الجماعات الإسلامية للبلاد وتصورت أن لديهم مشاريع تنموية فعلية وأن وجودهم مبشر بتحقيق العدل والمساواة والتكافل الإجتماعي والذين هم من أساسيات الحكم الإسلامي قبل أي شيء أخر .. فما وجدت غير مزيد من الجور والفوضى والهمجية وعقول مظلمة صبها التعصب في قوالب لا يمكنها الخروج منها ولو أرادت .. وقلوب ممتلئة بحق وغل وكراهية على مخلوقات الله لا يمكن أن تجتمع في قلوب ذاقت الإيمان وعرفت الله. 

لا شئ تغير .. فالدرس الوحيد المستفاد من التاريخ .. أنه لا أحد يستفيد من دروس التاريخ!


الأربعاء، 28 نوفمبر 2012

فن الإحتيال

يحفل التراث الأدبي وحتى السينمائي بحكايات عن شخصية المحتال ..  فهو مادة دسمة للعمل الدرامي لما يتمتع به من امكانيات ومواهب ليس اقلها الذكاء وحسن المظهر وبلاغة الخطاب وهي الصفات التي تجتذب إليه ضحاياه في الأساس وتفتح له المجال واسعاً للتعامل مع انماط البشر المختلفة ليسهل عليه تحديد هدفه واختيار الشرائح المناسبة من المجتمع والتي يمكنه التعامل معها ودفعها لتنفيذ رغباته وتحقيق الاستفادة المرجوة. 
وبالرغم من تعدد أساليب الإحتيال والخداع إلا أن هناك صفات أساسية تتوفر في جميع المحتالين بلا استثناء .. كما أن هناك مواصفات أخرى للشخصية التي يسهل وقوعها في حبائل المحتال. 
وأهم صفة تجمع المحتالين جميعا بلا استثناء هي "الكذب" فلا يوجد نصاب لا يعتمد على الكذب والتمويه وخلط الأمور والتدليس على الضحية. 
كما أن المحتالين جميعا يجتمعون في صفات أخرى مثل عدم احترام القانون أو الوفاء بالعهود والوعود ..
ويغيب لدى المحتال أي معنى للضمير أو لوم النفس فهو يتمتع بكل الأسلحة الدفاعية مثل التبرير والإنكار والإسقاط والتي تجعل كل أفعاله من وجهة نظره مبررة وجائزة مهما كانت فداحتها ومهما كان خروجها عن معايير الأخلاق والقيم الإنسانية والدينية ومهما كانت مدمرة لضحاياه.
كما أن النصاب نرجسي بطبعه .. معجب بذاته .. يعتبر أن ماله من مميزات يراها هو تعطيه الحق في الإستيلاء على حقوق الأخرين.. ولا يعدم الأسباب لذلك فهو الأذكى أو الأعرق أو الأقرب إلى السماء ... ألخ
يعرف النصاب جيداً نقاط ضعف الضحية ويعرف كيف يلعب على أوتار مشاعرها وكيف يمسك بمقودها .. وهو يجد ضالته في مجتمع يتفشى فيه الفقر والجهل .. ويعمه الفساد ويغيب فيه القانون .. فتختل فيه كل القيم وتضيع الحقوق. 
وكلما علا قدر المحتال وازداد اتباعه وصنع حوله شبكة من المنتفعين وأصحاب المصالح ..  كلما قويت شوكته وأصبح التضليل والكذب منهج متبع للتغطية على كل مساوءه وجرائمه في حق ضحاياه .. فما بالك لو كان بين يديه إعلام يبشر به ويجمل من صورته .. ما بالك لو كان الخداع يتم بإستخدام أشهر وأهم نقاط الضعف البشري والتي استغلها الطغاة لعصور وعصور منذ فجر التاريخ .. ألا وهي العلاقة بالسماء .. وبالرغم من انتفاء الوساطات بين العبد وربه في الإسلام .. وبالرغم من عدم إعطائه حصانة لأحد من الناس بخلاف الأنبياء والمرسلين من الخطأ .. إلا أن التعصب والتغييب والقهر الذي عانى منه البعض لعقود يجعلهم يرون في نموذج الشخص المتدين ظاهرياً الخلاص ويتبعونه بدون إعمال للعقل بل ويشاركونه جرائم التبرير وإضفاء القداسة على كل أقواله وأفعاله .. بل يكون من المذهل أن تتغير دفتهم من أقصى اليسار لأقصى اليمين بمجرد إشارة منه فيدافعون عن الأمر ونقيضه في ذات اللحظة!!  .. بل يصبح إعمال العقل عندها من باب الكفر بشريعة السماء .. ومن المذهل أن من يحتال باسم الدين يجد أتباع مخلصين على استعداد للإتيان بابشع الأفعال وأكثرها خروجا عن الشرائع ولا يجدي معه حديثاً أو بينة .. فهو محقون بعدوانية وكراهية وغضب شديد تجاه كل من ينتقد أفعال السيد المختار مبعوث السماء .. 
كارثة أن يصل هذا النوع من المحتالين إلى كرسي الحكم فهو يزكي نيران الكراهية ويصنع في المجتمع انقسامات دموية .. وخاصة في دولة مفككة غاب فيها العدل والقانون.

الأحد، 28 أكتوبر 2012

تحرش

عندما تختل المفاهيم وتزدوج المعايير في مجتمع بالكامل فلا نهاية يمكن توقعها لإنحداره .. يظل يسقط في هوة سحقية لا نهاية لها مفارقا كل ما يمت الى التحضر والأخلاقيات والقيم الانسانية بل والمنطق والفطرة السليمة بصلة .. هذا ما بدا جلياً مع متابعة قضية التحرش التي أصبحت تثار بشكل دائم مع قدوم الأعياد .. فأن يوجد تحرش في مجتمع يدعي التدين فهذه درجة من السقوط .. وأن يصبح التحرش ظاهرة فهذه درجة اخرى .. وأن يتم تبرير التحرش بكافة أشكال المبررات كالفقر والبطالة وتأخر سن الزواج فهذه درجة ثالثة من السقوط ..  أما أن يتم لوم الضحية وتوجيه أصابع الإتهام إليها مهما بلغت درجة احتشامها وجديتها واستقامتها لا بل وتجد بعض من يدّعون انتمائهم لتيارات دينية يوجهون الشباب لفعل ذلك بدعوى إجبار الفتيات على لزوم البيت أو الإلتزام بزي خاص فهذه كارثة .. أن لا يكون هناك تواجد أمني ومعالجة قانونية فعّالة وعقاب سريع ورادع لمرتكب هذا الفعل المختل المقزز فهذا هو السقوط بعينه .. أن لا يكون الفعل مرفوض ومجرم اجتماعياً فهذا خلل اجتماعي غير مسبوق .. فمن يقول بأن أسباب التحرش هي تأخر سن الزواج وعدم التزام الفتيات بالحجاب لم يشرح لنا كيف أن أطفال دون سن العاشرة يمارسون فعل التحرش وهم منتشين وسعداء معتقدين أنهم بهذا الفعل قد حققوا درجة من النضوج أو دخلوا في طور الرجولة مبكراً !! لم يفسر لنا لماذا يقوم بهذا الفعل بعض المتزوجين أو لماذا لا تسلم من هذا حتى من ترتدي أكثر الأردية احتشاماً وإخفاءً لمعالم الجسد !! .. وهذا المبرر غير مقبول بأي حال من الأحوال فالفقر لا يبرر السرقة .. والإعجاب بما يملكه غيرنا لا يبرر اعتدائنا على هذه الممتلكات بأي حال من الأحوال .. ولكن المجتمع الذي آعتاد أن يضخم أخطاء المرأة ويضعها تحت العدسات المكبرة ويلومها على كل قصور وكل مشكلة وكل خلل وكل فشل واجداً كافة المبررات للرجل لا بل ومهنئاً له على نفس الأفعال مهما كانت مشينة ومخجلة هو نفسه الذي يمكن أن تنتشر فيه مثل هذه الأفعال المريضة المفرطة في الإنحطاط دون أن يهتز أو يواجه نفسه بالخلل ويعمل على علاجه .. هذا المجتمع الذي آعتاد على أن يشير إلى عمل المرأة كسبب رئيسي للبطالة بدلاً من أن ينظر للأسباب الحقيقية من ركود وإهمال وعدم وجود مناخ اقتصادي صحي وسياسة اقتصادية سليمة تستوعب الأيدي العاملة بعمل مشاريع ضخمة وآستثمارات حقيقية وإنتاج له قيمة بعيداً عن التجارة والمضاربات واللإستثمار في مجال الاتصالات الذي لا يحقق إنتاج حقيقي على الأرض .. هو نفسه المجتمع المصاب بالإزدواجية المرضية والذي لا يتعدى التدين لديه المظاهر والقشور متغاضياً عن جوهره وروحه وأوامره بحفظ الحقوق وكف الأذى وغض البصر .. وفي النهاية بعض الإنضباط الذي يمكن أن تفرضه الدولة كفيل بالقضاء على هذه الظاهرة المخجلة .. فمن أولى حقوق المواطنة أن تكون أمن على نفسك ومالك وأن تجد من يقتص لك إذا ما آستحل أحدهم لنفسه الإعتداء على محيطك .. وإلا فإن أبواب الشر لن تغلق أبداً وكما هو حادث الأن سيضطر كل إنسان لتأمين نفسه والقصاص لنفسه بالشكل الذي يراه مناسباً .. وأعتقد أن غياب الأمن وضياع الحقوق كان أهم وأول أسباب الثورة .... 
مازال هذا السبب قائماً جلياً.

الأربعاء، 26 سبتمبر 2012

في نعي الثورة

ما أكثر المشاهد والتناقضات على الساحة المصرية والتي تدعو للعجب وتُثير عواصف من التساؤلات وأحياناً الضحكات المفرطة في السخرية أو المرارة .. بداية بالطريقة الحلزونية اللولبية التي تتعامل بها الحكومة مع كل القضايا العامة والمشكلات الشعبية القديمة والحديثة والأنيّة .. وكمثال تعاملهم مع رد فعل الشباب الثوري على إخفاء رسومات الجرافيتي التي توثق للثورة وتحفظ وجوه شهدائها وتنادي بالعدالة والقصاص واتخاذ الإجراءات اللازمة التي تحفظ للشعب كرامته وحقوقه .. حيث حولوا المسألة لمجرد قضية فنية تعبيرية لشباب متفرغ يريد أن يخرج مخزونه الداخلي على الجدران دون الالتفات لمحتوى هذه الرسوم أو للمطالب الثورية التي ترمي إليها .. ومرورا بأمطار التكفير والتجهيل والتي تتساقط بكرم ووفرة وغزارة على أشخاص بعينهم وجهات محددة بحسب الطلب وبما تقتضيه المصلحة فبدأنا ولأول مرة نسمع عن "الحزب الكافر" و"الجريدة الكافرة" و "الدولة الكافرة" .. وتحريم الإنضمام لحزب بعينه والتصويت لشخص بعينه والذهاب لدولة بعينها!! .. بالرغم من النصوص الصريحة التي يحتويها القرآن الكريم والأحاديث النبوية والتي تأمر بعدم تحريم - أو تحليل - أمر أو شئ لم يرد نص صريح في تحريمه أو تحليله ابتغاء مصلحة شخصية .. والتحذير من تكفير الأخر ما لم يكن هناك أدلة قوية وظاهرة ولا تقبل الجدل على ذلك والا فالتكفير سيعود على من رمى به في البداية .. وليس أدل على أن ما يحرك هؤلاء هو المصلحة الخاصة والمصلحة الخاصة فقط من تكفيرهم لحزب يضم كل القوى الثورية بلا استثناء لم يصدر عنه ما يشير من قريب أو من بعيد لكونه ضد الأديان أو المعتقدات الدينية أياً كانت .. بينما لا يحظى بهذا "الشرف" أحزاب عريقة مبادئها تبتعد كثيراً عن الاتجاه الديني الذي يدعوا إليه المُكفّرون .. وليس أعجب من إتيانهم لما كانوا ينهون عنه في عهد مبارك بل وإيجاد كافة المبررات التي تدعم مثل هذه القرارات والأفعال وتحلل ما هو محرم بنصوص شرعية واضحة تحت بند مطاط جدا يدعونه "الضرورات تبيح المحظورات" .. لا أعرف من أين أتوا به فالضرورة التي يبيحها الدين هي ما يفصل بين الموت والحياة وليس شئ أخر .. فأحلوا لأنفسهم جميع ما حرموه سابقاً .. بداية من الانتخابات الديمقراطية .. لمشاركة المرأة في العمل السياسي .. للقروض الربوية .. وليس نهاية باتباع ما تقتضيه الدبلوماسية من تغيير في نوعية ملابسهم وقبولهم التسليم يدوياً على النساء الأجنبيات ومجالستهن وكلها أمور كانوا يجرمونها بشدة قبل الإنخراط في العمل السياسي .. وبعيداً عن كون ما يعتقدونه أو ما يفعلونه صواباً أو خطأ .. كيف نثق في أشخاص يغيرون مبادئهم ومعتقداتهم بهذه السهولة وهذا اليسر .. كيف تعتنق مثل هذا الفكر المطاطي الذي لا يخدم سوى مصلحتك من موقعك ووجهة نظرك وتدعي أنك وحدك الناطق باسم الشريعة .. كل ما يصدر منهم عنصري وطائفي ومتعصب يعزز الانشقاق ويثير الكراهية والنفور .. تمنيت حقاً أن نجد في اقوالكم أو أفعالكم تطبيق حقيقي لدين أو شرع فتسارعون للقصاص من القتلة ومحاسبة الفاسدين وناهبي المال العام بدلا من تكريمهم والإبقاء عليهم في مناصبهم .. ونفس هذا الخطاب المتعالي المنفر يثيره أتباعهم وموئيديهم على صفحات الانترنت وفي الفضائيات ولا يتورعون حتى عن القذف والسب والخوض في الأعراض وهي من الكبائر التي تستوجب اقامة الحد. الجميع أصبحوا من وجهة نظرهم أعداء وكفرة وأعداء للثورة .. الثورة التي احتالوا هم عليها وفرغوها من كل مطالبها واحلامها بالحرية والعدالة وأغرقوها في مستنقع من الخلافات العقيمة تاركين كل القضايا الهامة بلا علاج .. فمازال الفساد يسيطر على كل مفاصل الدولة .. مازال الفقر والقهر والمرض يقتل الأبرياء ويستنزف حياتهم .. غلاء .. بطالة .. انفلات أمني .. مازال الثوار في السجون محرم حتى على اللجان الطبية والحقوقية زيارتهم .. مازال الحد الأدنى والأقصى للأجور حلم بعيد المنال بالرغم من تأكيد الجهاز المركزي للمحاسبات على أن تطبيق الحد الأدنى بواقع 1200 جنيه والأقصى بستة وعشرين ضعف سيوفر للدولة 29.5 مليار جنيه سنوياً .. وأن 5800 موظف يتقاضون 50% من قيمة رواتب العاملين بالحكومة والقطاع العام والبالغ عددهم قرابة الخمسة ملايين!! 
مازال الشعب يقضي يومه في صراع مميت خلف الخبز والغاز ويحلم بكوب ماء نظيف .. ومازال الخطاب السلطوي كما كان دائماً يتحدث من كوكب أخر عن شعب مرفّه يتمتع بحرّية وكرامة ليس لهما وجود على أرض الواقع!

الثلاثاء، 18 سبتمبر 2012

صرخات على الجدران

هي صرخات صامتة .. عرفتها كل الشعوب المضطهدة المقيدة .. الرازحة دائما وأبداً تحت يد القهر والقمع والطغيان .. رسومات على الجدران .. تجعل الحجر يصرخ ويأن .. بعد أن أصاب الصمم الأذان وقست القلوب وغابت العقول .. هي صفحات سجلت ملاحم كفاح شعوب وتاريخ حافل بالشهداء والضحايا .. رسوم عبرت الأسوار والحواجز "رسوم الجرافيتي".. حفظها الشعب وجعلها سجله الحافل عندما آستطاع بعزيمته أن يصنع التغيير الذي سعى إليه .. وعندما وجدت صرخاته صدى .. ويشهد عليها سور برلين الذي مازال يحفظ لشعب ألمانيا ملحمة كفاحه لتوحيد بلاده وإسقاط حاجز صنعته الحرب الباردة وأصحاب المصالح .. رسومات لم يخلو منها الجدار العازل المقام في الأراضي المحتلة .. وكانت لسان حال الثورة والثوار في مصر وتونس وغيرها من البلاد التي أرادت الخروج من قبضة القمع والقهر وأن يحيا شعبها كبشر ويعامل كبشر .. ولكن عندما يتم إحتواء الثورة وتلجيمها وتحجيمها وتسيير الأمور كلها في عكس اتجاهها .. يكون تكميم الأفواه أحد الوسائل الهامة للقضاء نهائياً عليها .. ويصبح محو هذه الرسوم الجدارية محو لأخر أثر يدل على أنه كانت هنا في يوم ما ثورة .. كلما تأملت في الحال في مصر وما ألت إليه الأمور أصاب بحالة من الاندهاش الشديد .. كيف سارت الأمور في هذا الطريق وانحدرت الى هذا الدرك .. كيف انطفأت الأمال العريضة في التغيير والارتقاء وسقطنا مرة أخرى في نفس الوحل بل زاد عليه ما هو أكثر من الماضي تراجعا وانهيارا .. لا شئ تغير فعليا .. نفس السياسات العقيمة .. نفس الأساليب القديمة .. نفس الخطاب الحكومي الفارغ البائس .. نفس مناهج التعامل مع المشكلات والإحتجاجات .. لا أعرف ما هو المطلوب فعليا واللازم عمله لنعامل كبشر ومواطنين في بلادنا .. متى يكون لدينا قانون قائم يحترمه الجميع ويطبق على الجميع بلا استثناء .. حتى الأن لم تتحقق فعلياً أيا من مطالب الثورة المهيضة وقد لا تتحقق أبداً إذا بقى الحال على ما هو عليه .. بل أن الأمور ازدادت سوءاً وأصبحت أفعال وقرارات من بيدهم الأمور ذات قداسة من يعترض عليها فكأنه يخالف أمر إلهي .. فمنافقي كل العصور لم يدخروا جهدا في إضفاء القداسة على أفعال الرئيس والحكومة ولم يتوانوا عن استخدام نفس أغنيات جوقة الرئيس السابق .. وسلاح المبررون يعمل بكامل طاقته لتبرير ما لا يمكن تبريره وبأساليب لا تقل غباء عن أساليب مبررين الحزب الوطني البائد .. وكما وجدوا الف مبرر لمذبحة كتب النبي دنيال .. سيجدوا ألف غيرهم لمحو جرافيتي محمد محمود وتغيير معالم ميدان التحرير تحت شعار التحديث والتجميل بالرغم من أن المشاركين في هذه الأعمال هم فنانين في غاية الروعة وما قدموه إبداع حقيقي يستحق الحفاظ عليه واحترامه ناهيك عن المعنى المتجسد فيه .. وكأن البلاد خلت من كل مظاهر القبح والتخلف .. فلا أطنان من القمامة ولا ملايين من أطفال الشوارع والمشردين ولا عشوائيات وقرى خارج حدود الزمان والمكان وغير معترف بها وبأهلها كبشر لهم الحق في العيش بكرامة .. فلم يبقى ليشوه الوجه الحضاري العظيم الذي يطل علينا غير أكشاك الكتب ورسومات الجرافيتي التي تعبر عن الثورة!!! ..  كل شئ بقى على حاله ولم يتغير غير عدد المغيبين والمبررين والمسحورين بالشعارات واللحى. 
أما أنتم يا شهداء الحرية والمبادئ فإن غابت وجوهكم من على الجدران كما غابت من قبل عن الحياة .. فهي لن تغيب عن عيوننا وقلوبنا .. وان كانت الوعود باعادة المحاكمات وفرض القانون قد ذهبت ادراج الريح فمازالت مطالب الثورة والعدالة حية في قلوب ثوار لم ولن ينسوا.. والمحاولات المستميتة لغلق كل قنوات التعبير لم تفلح سابقا ولن تفلح أبداً..