الثلاثاء، 5 فبراير 2013

وكأن شيئاً لم يكن

عامان مضا .. خفَت الحلم .. وبهت الأمل .. وعاد الغضب يعصف بالنفوس .. وكل يوم يتكشف لنا مدى سذاجتنا وفداحة أخطائنا .. وكأننا لم نكن أكثر من لعبة يتحكم بمشاعرها وتطلعاتها لاعب ماهر لتحقق له أهادفه ولا يهم بعدها أن تنكسر أو يلحق بها عطب لا براء منه.
وكأننا سقطنا في فجوة زمنية حيث الأيام تتكرر بحذافيرها .. نفس المطالب .. نفس الأساليب .. نفس الإتهامات .. نفس الوجوه تطفو حينا وتغيب حينا لتعاود الظهور مجددا .. وقطار الكوارث يسير في اتجاه واحد نحو الهاوية لا يلتفت للجثث التي سقطت تحت عجلاته .. ولا يعي السائق نفسه أن السقوط في الهاوية لن ينجو منه أحد لا راكب ولا قائد .. وحتى خيار القفز لم يعد متاحا بعد الأن .. فالحساب ولابد قادم وأقرب مما يتصور أحد. 
يطالب الناس بعدالة إجتماعية يتحقق فيها تكافؤ الفرص وينال كل مجتهد نصيبه على قدر جهده ومؤهلاته .. وتظل الأولوية للأهل والعشيرة وأصحاب الثقة دون أصحاب الكفاءة والمؤهلين .. وحتى أن مطلب كوضع حد أقصى للأجور لن يكلف خزانة الدولة شئ بل على العكس سيوفر الكثير ويشعر العاملين في نفس المكان بوجود شئ من العدل .. توضع في طريقه العراقيل لتظل نسبة محدودة من كل مؤسسة تستنزف خيراتها بلا أحقية. 
يطالب الناس بإصلاح أحوالهم الإقتصادية فترتفع أسعار السلع وتزيد الضرائب وتشتعل تكلفة الخدمات المتهالكة من الأساس.
يطالبون بإحترام أدميتهم ومعاملتهم كبشر فتتفنن الحكومة في إيجاد سبل لإنتهاك وإهدار كرامتهم وأدميتهم وأي قيمة إنسانية لديهم. 
يحتجون على الموت تحت التعذيب فتزيد معدلاته وتعلو وتيرته ولا أحد يُحاسب. 
يطالب الناس بعقاب المهمل والإهتمام بأعمال الصيانة والرقابة حفاظاً على الأرواح فتكثر حوادث الإهمال الدموية ولا من محاسب ولا من مراقب.
لا يلوح في الأفق بوادر تحقيق لأي مطلب شعبي مهما كان شرعيا وبسيطا ولا حتى أي محاولة على الطريق لتحقيق هذه المطالب .. وكأنهم يعملون فقط على كسر ارادة الشعب وإحباطه والكيد له وتحطيمه نهائياً. 

كثيراً ما كنت أعجب للإتهامات المعلّبة الجاهزة التي كانت تلاحق المعارضين سابقا بالعمالة والخيانة لأمريكا والصهيونية العالمية .. وكنت أتسائل كيف يقول ذلك نظام تتغني الإدارة الأمريكية والحكومة الإسرائيلية بكونه الصديق والكنز الإستراتيجي .. ولا يتغير الأمر الأن فالإتهامات مازالت تنهمر على كل معارض ومُطالب بالإصلاح ولكن أضيف اليها الكثير من عينة كافر وعلماني وليبرالي وشيوعي ومسيحي ومن أعداء الإسلام ... الى أخره من الإتهامات التي تنهمر عليك في كرم بالغ. 
ولا يمانع البعض من اعتبار مطالباتك بالإصلاح إفساد في الأرض وخروج على الشرعية ويستوجب بحسب شريعة المتأسلمين حد الحرابة. فلا يهتز لهم جفن من رؤية شباب يافع ناجح يُقضى تحت التعذيب بعد أن تم كهربته وتكسير عظامه واسنانه وسبل عينه بوحشية وبشاعة عز نظيرها!

لا يمانع هؤلاء في التحريض على التحرش بالفتيات الثائرات فهذا من وجهة نظرهم مشروع لترهيبهن وليبقين في المنزل ولا يزدن أعداد الأعداء بحسب تعبير بعضهم. 

لقد كنت أحد الذين لم يمانعوا في حكم الجماعات الإسلامية للبلاد وتصورت أن لديهم مشاريع تنموية فعلية وأن وجودهم مبشر بتحقيق العدل والمساواة والتكافل الإجتماعي والذين هم من أساسيات الحكم الإسلامي قبل أي شيء أخر .. فما وجدت غير مزيد من الجور والفوضى والهمجية وعقول مظلمة صبها التعصب في قوالب لا يمكنها الخروج منها ولو أرادت .. وقلوب ممتلئة بحق وغل وكراهية على مخلوقات الله لا يمكن أن تجتمع في قلوب ذاقت الإيمان وعرفت الله. 

لا شئ تغير .. فالدرس الوحيد المستفاد من التاريخ .. أنه لا أحد يستفيد من دروس التاريخ!


الأربعاء، 28 نوفمبر 2012

فن الإحتيال

يحفل التراث الأدبي وحتى السينمائي بحكايات عن شخصية المحتال ..  فهو مادة دسمة للعمل الدرامي لما يتمتع به من امكانيات ومواهب ليس اقلها الذكاء وحسن المظهر وبلاغة الخطاب وهي الصفات التي تجتذب إليه ضحاياه في الأساس وتفتح له المجال واسعاً للتعامل مع انماط البشر المختلفة ليسهل عليه تحديد هدفه واختيار الشرائح المناسبة من المجتمع والتي يمكنه التعامل معها ودفعها لتنفيذ رغباته وتحقيق الاستفادة المرجوة. 
وبالرغم من تعدد أساليب الإحتيال والخداع إلا أن هناك صفات أساسية تتوفر في جميع المحتالين بلا استثناء .. كما أن هناك مواصفات أخرى للشخصية التي يسهل وقوعها في حبائل المحتال. 
وأهم صفة تجمع المحتالين جميعا بلا استثناء هي "الكذب" فلا يوجد نصاب لا يعتمد على الكذب والتمويه وخلط الأمور والتدليس على الضحية. 
كما أن المحتالين جميعا يجتمعون في صفات أخرى مثل عدم احترام القانون أو الوفاء بالعهود والوعود ..
ويغيب لدى المحتال أي معنى للضمير أو لوم النفس فهو يتمتع بكل الأسلحة الدفاعية مثل التبرير والإنكار والإسقاط والتي تجعل كل أفعاله من وجهة نظره مبررة وجائزة مهما كانت فداحتها ومهما كان خروجها عن معايير الأخلاق والقيم الإنسانية والدينية ومهما كانت مدمرة لضحاياه.
كما أن النصاب نرجسي بطبعه .. معجب بذاته .. يعتبر أن ماله من مميزات يراها هو تعطيه الحق في الإستيلاء على حقوق الأخرين.. ولا يعدم الأسباب لذلك فهو الأذكى أو الأعرق أو الأقرب إلى السماء ... ألخ
يعرف النصاب جيداً نقاط ضعف الضحية ويعرف كيف يلعب على أوتار مشاعرها وكيف يمسك بمقودها .. وهو يجد ضالته في مجتمع يتفشى فيه الفقر والجهل .. ويعمه الفساد ويغيب فيه القانون .. فتختل فيه كل القيم وتضيع الحقوق. 
وكلما علا قدر المحتال وازداد اتباعه وصنع حوله شبكة من المنتفعين وأصحاب المصالح ..  كلما قويت شوكته وأصبح التضليل والكذب منهج متبع للتغطية على كل مساوءه وجرائمه في حق ضحاياه .. فما بالك لو كان بين يديه إعلام يبشر به ويجمل من صورته .. ما بالك لو كان الخداع يتم بإستخدام أشهر وأهم نقاط الضعف البشري والتي استغلها الطغاة لعصور وعصور منذ فجر التاريخ .. ألا وهي العلاقة بالسماء .. وبالرغم من انتفاء الوساطات بين العبد وربه في الإسلام .. وبالرغم من عدم إعطائه حصانة لأحد من الناس بخلاف الأنبياء والمرسلين من الخطأ .. إلا أن التعصب والتغييب والقهر الذي عانى منه البعض لعقود يجعلهم يرون في نموذج الشخص المتدين ظاهرياً الخلاص ويتبعونه بدون إعمال للعقل بل ويشاركونه جرائم التبرير وإضفاء القداسة على كل أقواله وأفعاله .. بل يكون من المذهل أن تتغير دفتهم من أقصى اليسار لأقصى اليمين بمجرد إشارة منه فيدافعون عن الأمر ونقيضه في ذات اللحظة!!  .. بل يصبح إعمال العقل عندها من باب الكفر بشريعة السماء .. ومن المذهل أن من يحتال باسم الدين يجد أتباع مخلصين على استعداد للإتيان بابشع الأفعال وأكثرها خروجا عن الشرائع ولا يجدي معه حديثاً أو بينة .. فهو محقون بعدوانية وكراهية وغضب شديد تجاه كل من ينتقد أفعال السيد المختار مبعوث السماء .. 
كارثة أن يصل هذا النوع من المحتالين إلى كرسي الحكم فهو يزكي نيران الكراهية ويصنع في المجتمع انقسامات دموية .. وخاصة في دولة مفككة غاب فيها العدل والقانون.

الأحد، 28 أكتوبر 2012

تحرش

عندما تختل المفاهيم وتزدوج المعايير في مجتمع بالكامل فلا نهاية يمكن توقعها لإنحداره .. يظل يسقط في هوة سحقية لا نهاية لها مفارقا كل ما يمت الى التحضر والأخلاقيات والقيم الانسانية بل والمنطق والفطرة السليمة بصلة .. هذا ما بدا جلياً مع متابعة قضية التحرش التي أصبحت تثار بشكل دائم مع قدوم الأعياد .. فأن يوجد تحرش في مجتمع يدعي التدين فهذه درجة من السقوط .. وأن يصبح التحرش ظاهرة فهذه درجة اخرى .. وأن يتم تبرير التحرش بكافة أشكال المبررات كالفقر والبطالة وتأخر سن الزواج فهذه درجة ثالثة من السقوط ..  أما أن يتم لوم الضحية وتوجيه أصابع الإتهام إليها مهما بلغت درجة احتشامها وجديتها واستقامتها لا بل وتجد بعض من يدّعون انتمائهم لتيارات دينية يوجهون الشباب لفعل ذلك بدعوى إجبار الفتيات على لزوم البيت أو الإلتزام بزي خاص فهذه كارثة .. أن لا يكون هناك تواجد أمني ومعالجة قانونية فعّالة وعقاب سريع ورادع لمرتكب هذا الفعل المختل المقزز فهذا هو السقوط بعينه .. أن لا يكون الفعل مرفوض ومجرم اجتماعياً فهذا خلل اجتماعي غير مسبوق .. فمن يقول بأن أسباب التحرش هي تأخر سن الزواج وعدم التزام الفتيات بالحجاب لم يشرح لنا كيف أن أطفال دون سن العاشرة يمارسون فعل التحرش وهم منتشين وسعداء معتقدين أنهم بهذا الفعل قد حققوا درجة من النضوج أو دخلوا في طور الرجولة مبكراً !! لم يفسر لنا لماذا يقوم بهذا الفعل بعض المتزوجين أو لماذا لا تسلم من هذا حتى من ترتدي أكثر الأردية احتشاماً وإخفاءً لمعالم الجسد !! .. وهذا المبرر غير مقبول بأي حال من الأحوال فالفقر لا يبرر السرقة .. والإعجاب بما يملكه غيرنا لا يبرر اعتدائنا على هذه الممتلكات بأي حال من الأحوال .. ولكن المجتمع الذي آعتاد أن يضخم أخطاء المرأة ويضعها تحت العدسات المكبرة ويلومها على كل قصور وكل مشكلة وكل خلل وكل فشل واجداً كافة المبررات للرجل لا بل ومهنئاً له على نفس الأفعال مهما كانت مشينة ومخجلة هو نفسه الذي يمكن أن تنتشر فيه مثل هذه الأفعال المريضة المفرطة في الإنحطاط دون أن يهتز أو يواجه نفسه بالخلل ويعمل على علاجه .. هذا المجتمع الذي آعتاد على أن يشير إلى عمل المرأة كسبب رئيسي للبطالة بدلاً من أن ينظر للأسباب الحقيقية من ركود وإهمال وعدم وجود مناخ اقتصادي صحي وسياسة اقتصادية سليمة تستوعب الأيدي العاملة بعمل مشاريع ضخمة وآستثمارات حقيقية وإنتاج له قيمة بعيداً عن التجارة والمضاربات واللإستثمار في مجال الاتصالات الذي لا يحقق إنتاج حقيقي على الأرض .. هو نفسه المجتمع المصاب بالإزدواجية المرضية والذي لا يتعدى التدين لديه المظاهر والقشور متغاضياً عن جوهره وروحه وأوامره بحفظ الحقوق وكف الأذى وغض البصر .. وفي النهاية بعض الإنضباط الذي يمكن أن تفرضه الدولة كفيل بالقضاء على هذه الظاهرة المخجلة .. فمن أولى حقوق المواطنة أن تكون أمن على نفسك ومالك وأن تجد من يقتص لك إذا ما آستحل أحدهم لنفسه الإعتداء على محيطك .. وإلا فإن أبواب الشر لن تغلق أبداً وكما هو حادث الأن سيضطر كل إنسان لتأمين نفسه والقصاص لنفسه بالشكل الذي يراه مناسباً .. وأعتقد أن غياب الأمن وضياع الحقوق كان أهم وأول أسباب الثورة .... 
مازال هذا السبب قائماً جلياً.

الأربعاء، 26 سبتمبر 2012

في نعي الثورة

ما أكثر المشاهد والتناقضات على الساحة المصرية والتي تدعو للعجب وتُثير عواصف من التساؤلات وأحياناً الضحكات المفرطة في السخرية أو المرارة .. بداية بالطريقة الحلزونية اللولبية التي تتعامل بها الحكومة مع كل القضايا العامة والمشكلات الشعبية القديمة والحديثة والأنيّة .. وكمثال تعاملهم مع رد فعل الشباب الثوري على إخفاء رسومات الجرافيتي التي توثق للثورة وتحفظ وجوه شهدائها وتنادي بالعدالة والقصاص واتخاذ الإجراءات اللازمة التي تحفظ للشعب كرامته وحقوقه .. حيث حولوا المسألة لمجرد قضية فنية تعبيرية لشباب متفرغ يريد أن يخرج مخزونه الداخلي على الجدران دون الالتفات لمحتوى هذه الرسوم أو للمطالب الثورية التي ترمي إليها .. ومرورا بأمطار التكفير والتجهيل والتي تتساقط بكرم ووفرة وغزارة على أشخاص بعينهم وجهات محددة بحسب الطلب وبما تقتضيه المصلحة فبدأنا ولأول مرة نسمع عن "الحزب الكافر" و"الجريدة الكافرة" و "الدولة الكافرة" .. وتحريم الإنضمام لحزب بعينه والتصويت لشخص بعينه والذهاب لدولة بعينها!! .. بالرغم من النصوص الصريحة التي يحتويها القرآن الكريم والأحاديث النبوية والتي تأمر بعدم تحريم - أو تحليل - أمر أو شئ لم يرد نص صريح في تحريمه أو تحليله ابتغاء مصلحة شخصية .. والتحذير من تكفير الأخر ما لم يكن هناك أدلة قوية وظاهرة ولا تقبل الجدل على ذلك والا فالتكفير سيعود على من رمى به في البداية .. وليس أدل على أن ما يحرك هؤلاء هو المصلحة الخاصة والمصلحة الخاصة فقط من تكفيرهم لحزب يضم كل القوى الثورية بلا استثناء لم يصدر عنه ما يشير من قريب أو من بعيد لكونه ضد الأديان أو المعتقدات الدينية أياً كانت .. بينما لا يحظى بهذا "الشرف" أحزاب عريقة مبادئها تبتعد كثيراً عن الاتجاه الديني الذي يدعوا إليه المُكفّرون .. وليس أعجب من إتيانهم لما كانوا ينهون عنه في عهد مبارك بل وإيجاد كافة المبررات التي تدعم مثل هذه القرارات والأفعال وتحلل ما هو محرم بنصوص شرعية واضحة تحت بند مطاط جدا يدعونه "الضرورات تبيح المحظورات" .. لا أعرف من أين أتوا به فالضرورة التي يبيحها الدين هي ما يفصل بين الموت والحياة وليس شئ أخر .. فأحلوا لأنفسهم جميع ما حرموه سابقاً .. بداية من الانتخابات الديمقراطية .. لمشاركة المرأة في العمل السياسي .. للقروض الربوية .. وليس نهاية باتباع ما تقتضيه الدبلوماسية من تغيير في نوعية ملابسهم وقبولهم التسليم يدوياً على النساء الأجنبيات ومجالستهن وكلها أمور كانوا يجرمونها بشدة قبل الإنخراط في العمل السياسي .. وبعيداً عن كون ما يعتقدونه أو ما يفعلونه صواباً أو خطأ .. كيف نثق في أشخاص يغيرون مبادئهم ومعتقداتهم بهذه السهولة وهذا اليسر .. كيف تعتنق مثل هذا الفكر المطاطي الذي لا يخدم سوى مصلحتك من موقعك ووجهة نظرك وتدعي أنك وحدك الناطق باسم الشريعة .. كل ما يصدر منهم عنصري وطائفي ومتعصب يعزز الانشقاق ويثير الكراهية والنفور .. تمنيت حقاً أن نجد في اقوالكم أو أفعالكم تطبيق حقيقي لدين أو شرع فتسارعون للقصاص من القتلة ومحاسبة الفاسدين وناهبي المال العام بدلا من تكريمهم والإبقاء عليهم في مناصبهم .. ونفس هذا الخطاب المتعالي المنفر يثيره أتباعهم وموئيديهم على صفحات الانترنت وفي الفضائيات ولا يتورعون حتى عن القذف والسب والخوض في الأعراض وهي من الكبائر التي تستوجب اقامة الحد. الجميع أصبحوا من وجهة نظرهم أعداء وكفرة وأعداء للثورة .. الثورة التي احتالوا هم عليها وفرغوها من كل مطالبها واحلامها بالحرية والعدالة وأغرقوها في مستنقع من الخلافات العقيمة تاركين كل القضايا الهامة بلا علاج .. فمازال الفساد يسيطر على كل مفاصل الدولة .. مازال الفقر والقهر والمرض يقتل الأبرياء ويستنزف حياتهم .. غلاء .. بطالة .. انفلات أمني .. مازال الثوار في السجون محرم حتى على اللجان الطبية والحقوقية زيارتهم .. مازال الحد الأدنى والأقصى للأجور حلم بعيد المنال بالرغم من تأكيد الجهاز المركزي للمحاسبات على أن تطبيق الحد الأدنى بواقع 1200 جنيه والأقصى بستة وعشرين ضعف سيوفر للدولة 29.5 مليار جنيه سنوياً .. وأن 5800 موظف يتقاضون 50% من قيمة رواتب العاملين بالحكومة والقطاع العام والبالغ عددهم قرابة الخمسة ملايين!! 
مازال الشعب يقضي يومه في صراع مميت خلف الخبز والغاز ويحلم بكوب ماء نظيف .. ومازال الخطاب السلطوي كما كان دائماً يتحدث من كوكب أخر عن شعب مرفّه يتمتع بحرّية وكرامة ليس لهما وجود على أرض الواقع!

الثلاثاء، 18 سبتمبر 2012

صرخات على الجدران

هي صرخات صامتة .. عرفتها كل الشعوب المضطهدة المقيدة .. الرازحة دائما وأبداً تحت يد القهر والقمع والطغيان .. رسومات على الجدران .. تجعل الحجر يصرخ ويأن .. بعد أن أصاب الصمم الأذان وقست القلوب وغابت العقول .. هي صفحات سجلت ملاحم كفاح شعوب وتاريخ حافل بالشهداء والضحايا .. رسوم عبرت الأسوار والحواجز "رسوم الجرافيتي".. حفظها الشعب وجعلها سجله الحافل عندما آستطاع بعزيمته أن يصنع التغيير الذي سعى إليه .. وعندما وجدت صرخاته صدى .. ويشهد عليها سور برلين الذي مازال يحفظ لشعب ألمانيا ملحمة كفاحه لتوحيد بلاده وإسقاط حاجز صنعته الحرب الباردة وأصحاب المصالح .. رسومات لم يخلو منها الجدار العازل المقام في الأراضي المحتلة .. وكانت لسان حال الثورة والثوار في مصر وتونس وغيرها من البلاد التي أرادت الخروج من قبضة القمع والقهر وأن يحيا شعبها كبشر ويعامل كبشر .. ولكن عندما يتم إحتواء الثورة وتلجيمها وتحجيمها وتسيير الأمور كلها في عكس اتجاهها .. يكون تكميم الأفواه أحد الوسائل الهامة للقضاء نهائياً عليها .. ويصبح محو هذه الرسوم الجدارية محو لأخر أثر يدل على أنه كانت هنا في يوم ما ثورة .. كلما تأملت في الحال في مصر وما ألت إليه الأمور أصاب بحالة من الاندهاش الشديد .. كيف سارت الأمور في هذا الطريق وانحدرت الى هذا الدرك .. كيف انطفأت الأمال العريضة في التغيير والارتقاء وسقطنا مرة أخرى في نفس الوحل بل زاد عليه ما هو أكثر من الماضي تراجعا وانهيارا .. لا شئ تغير فعليا .. نفس السياسات العقيمة .. نفس الأساليب القديمة .. نفس الخطاب الحكومي الفارغ البائس .. نفس مناهج التعامل مع المشكلات والإحتجاجات .. لا أعرف ما هو المطلوب فعليا واللازم عمله لنعامل كبشر ومواطنين في بلادنا .. متى يكون لدينا قانون قائم يحترمه الجميع ويطبق على الجميع بلا استثناء .. حتى الأن لم تتحقق فعلياً أيا من مطالب الثورة المهيضة وقد لا تتحقق أبداً إذا بقى الحال على ما هو عليه .. بل أن الأمور ازدادت سوءاً وأصبحت أفعال وقرارات من بيدهم الأمور ذات قداسة من يعترض عليها فكأنه يخالف أمر إلهي .. فمنافقي كل العصور لم يدخروا جهدا في إضفاء القداسة على أفعال الرئيس والحكومة ولم يتوانوا عن استخدام نفس أغنيات جوقة الرئيس السابق .. وسلاح المبررون يعمل بكامل طاقته لتبرير ما لا يمكن تبريره وبأساليب لا تقل غباء عن أساليب مبررين الحزب الوطني البائد .. وكما وجدوا الف مبرر لمذبحة كتب النبي دنيال .. سيجدوا ألف غيرهم لمحو جرافيتي محمد محمود وتغيير معالم ميدان التحرير تحت شعار التحديث والتجميل بالرغم من أن المشاركين في هذه الأعمال هم فنانين في غاية الروعة وما قدموه إبداع حقيقي يستحق الحفاظ عليه واحترامه ناهيك عن المعنى المتجسد فيه .. وكأن البلاد خلت من كل مظاهر القبح والتخلف .. فلا أطنان من القمامة ولا ملايين من أطفال الشوارع والمشردين ولا عشوائيات وقرى خارج حدود الزمان والمكان وغير معترف بها وبأهلها كبشر لهم الحق في العيش بكرامة .. فلم يبقى ليشوه الوجه الحضاري العظيم الذي يطل علينا غير أكشاك الكتب ورسومات الجرافيتي التي تعبر عن الثورة!!! ..  كل شئ بقى على حاله ولم يتغير غير عدد المغيبين والمبررين والمسحورين بالشعارات واللحى. 
أما أنتم يا شهداء الحرية والمبادئ فإن غابت وجوهكم من على الجدران كما غابت من قبل عن الحياة .. فهي لن تغيب عن عيوننا وقلوبنا .. وان كانت الوعود باعادة المحاكمات وفرض القانون قد ذهبت ادراج الريح فمازالت مطالب الثورة والعدالة حية في قلوب ثوار لم ولن ينسوا.. والمحاولات المستميتة لغلق كل قنوات التعبير لم تفلح سابقا ولن تفلح أبداً..

الجمعة، 25 مايو 2012

عن الانتخابات

ما أكثر الحُجج التي تدفعنا للاسراع في البدء بدون أساس سليم ودراسة جيدة، وتُزين لنا الطريق وترفع احتمالية نجاح مشروعنا بالنسبة لاحتمالات الفشل في اعيننا ، فنعتمد على الأمور الغير منطقية كالحظ والقدرة على علاج المشاكل التي ستنجم عن عدم التخطيط والترتيب وعدم وجود دراسة وافية وعدم توفير مقومات النجاح قبل المضي قدما وكأننا سنستطيع التعامل معها بحكمة وقت حدوثها وهذا بعيدا تماما عن الواقع والتجربة العملية. 

يتجلى هذا واضحا في انسياق الشعب المصري وراء انتخابات - وان بدت ديمقراطية - الا انها كانت محسومة سلفا ومعروف يقينا انها تحت كل الظروف لن تأتي بمرشح ثوري، واي انتخابات نزيهة تنتظر وقانون العزل يطبق على مرشح دون أخر بدون اسباب منطقية او مفهومة، وأي انتخابات نزيهة يمكن ان تقام في ظل تحصين غير شرعي لقرارات اللجنة العليا الانتخابات بحيث تكون اداة لفرض الأوضاع على الأرض مهما شابها من تزوير وتلاعب ورغم انف القانون والأحكام القضائية. 

وأي انتخابات نزيهة ننتظرها في ظل عدم الرقابة على الحد الأقصى للصرف بالنسبة للمرشحين فنطيح بمبدأ تكافؤ الفرص بالنسبة لباقي المرشحين. 
أي انتخابات نزيهة تنتظر والنظام الذي قامت الثورة ضده يعمل بكامل طاقته وفي اماكنه لتثبيت دعائمه واعادة انتاج نفسه بصورة شرعية محمية بقوة السلاح وعلى استعداد للوصول الى مدى لا نهائي في التنكيل والقمع لاخراس من تسول له نفسه الرفض او يرتفع صوته.

تجاهل الجميع كل المؤشرات الواضحة ، تجاهلوا حتى التصريحات الاستفزازية والتصرفات الوقحة التي قام بها مرشح نظام مبارك والتهديدات العلنية التي اطلقها شمالا ويمينا عن قمع وابادة من تسول له نفسه الاعتراض على فوزه المعد له جيدا. 
العجيب ان الأصوات العاقلة والتي دائما ما تنبه للسير في الطريق الصحيح وتحاول تجنب الكارثة .. تُقابل بتيار جارف من الضجيج والصراخ المحمل بكافة اشكال الاتهامات والتصنيفات ، فلا تملك الا السكوت او الدفاع عن نفسها قدر ما تستطيع. 

كنت اتمنى ان تكون انتخابات الرئاسة بداية على طريق الاصلاح الذي حادت عنه مصر لعقود وعقود .. ولكنها اصبحت بكل اسف بداية لمرحلة اكثر ضبابية لن تخلو من الفوضى والقمع وتدفعنا اكثر في اتجاه المجهول. 

الثلاثاء، 3 أبريل 2012

عفوا لقد نفد رصيدكم

الثورة، زلزال يهز كل ما على الأرض من ثوابت، بركان يتغذي من الغضب والذل والألم والظلم والمعاناة، حتى اذا لما تعد قشرة الأرض قادرة على كبح جماحه، انطلــــق هائـــجا مدمـــــرا ما في طريقه.
 عرفنا الثورة بحرارتها وعنفوانها ورأينا كيف تم التعامل معها حتى خبا لهيبها أو كاد، وكما انكشف لنا حجم الفساد وتعقيداته وتشابك مسارات المستفيدين منه، وكما عرفنا حجم ما تم نهبه واهداره من اموال وثروات شعب بائس يصارع ليعبر يومه وهو مازال على قيد الحياة، انكشفت لنا أيضا خامات ومعادن الكثير من الشخصيات والفئات والجماعات على الساحة ، وانهارت الكثير من المعتقدات والثوابت الراسخة التي عشنا في اوهامها سنوات وسنوات، عن معارضين كان معارضتهم لخدمة الشكل الديمقراطي للنظام وبدعمه، صيحاتهم لا تتعدى المدى المطلوب منهم، يؤدون ادوارهم وينالون جزائهم ولا يتخطون الخطوط الحمراء.

 وأنكشف لنا نوع من المجاهدين الذين حوربوا لسنوات ولاقوا الأمرين في المعتقلات ودفعوا ثمن مواقفهم من سنوات عمرهم واموالهم، وظلوا يمتنون على الشعب بما لاقوه من النظم الديكتاتورية المتوالية في رحلة كفاحهم، ويعدوننا أنهم اذا تولوا الأمر ليقيمون العدل ويهدمون دولة الباطل، حتى واتتهم الفرصة واصبح من كان بيده السلطة العليا "حزب منحل" ومن كان "محظورا" بيده السلطة.

 فماذا كانت النتيجة؟

أكاد أقسم أنها لعنة ما في الكرسي تصيب الجالس عليه بنشوة مرضية تلهيه عن المبادئ والقيم وتنسيه الحقوق والواجبات فلا يعد يرى غير سطوة المنصب ولا يعرف غير لغة المصلحة.

يلح علي سؤال هنا .. لكم أيها المجاهدون: هل جهادكم كان يوما للحق والعدل واعلاء كلمة الدين ؟ أم أن الأمر لم يتعدى يوما كونه صراع رخيص على السلطة والمصالح الخاصة ومحاولة الحصول على اكبر قدر من المكتسبات!

 هل تؤمنون حقا بأن المناصب هي لخدمة الشعب والدولة أم تعتقدون أنه لا حق ولا ذمة الا لمن كان منتسبا للجماعة، وأن السلطة يجب ان تكون مطلقة لكم تُسيٌرونها كما تُسيٌرون جماعتكم ، على طريقة "لا تجادل ولا تناقش" ولا تخالف رأي الجماعة والقائمين عليها وإلا ستطرد من رحمتهم ويطرد من يواليك أو يظهر لك المودة.

 كيف يستقيم انتسابكم للدين مع الكذب والخداع وموالاة الظالم والسكوت عن الحقوق، كيف يستقيم مع القذف ورمي الناس بالباطل واخراجهم حتى من دينهم اذا لم يوافقوا على سياستكم المخلخلة المتناقضة القائمة على ردود الفعل والمساومات؟

الحديث الأن عن تاريخكم ضد الأنظمة الديكتاتورية لم يعد ذات معنى فهو كان للجماعة ولصالح الجماعة وليس لكم ان تمنون علينا به اليوم أو تنتظرون من الشعب المهدر الحقوق أن يرد لكم الجميل.

 لقد قدم الشعب لكم السلطة على طبق من ذهب فأدرتم له ظهوركم في أول فرصة وأنقلبتم عليه ولا أعتقد أن صبره عليكم سيطول أو سيترك لكم الفرصة للتغلغل أكثر من ذلك في السلطة ويسمح لرجلكم الذي نال عفو ورضا العسكر بتولي مقعد الرئاسة، فنجد أنفسنا وقد دفعنا ثمنا غاليا للتخلص من زواج المال بالسلطة ووقعنا في علاقة من نوع جديد يمتزج فيها السلطة بالمال بالدين، ويُشبٌه فيها الزعماء بالرسل والأنبياء بعد أن كانوا يُشبٌهون بالأباء. 

الشعب وحتى اليوم لم يرى فيكم الا استنساخ للنظام السابق بلا أي تغيير إيجابي يذكر، بل أن التسلط والديكتاتورية اصبحت تمارس باسم الدين ومن يعترض عليه ان يتلقى في صدره سهام التكفير والتخوين.

استمعوا الى صوت العقل والحق، وأنصتوا حتى لمن كانوا منكم يوما وتركوكم يأسا وحزنا،  وراجعوا أنفسكم قبل فوات الأوان.