السبت، 4 يونيو 2011

الرعب الأخضر

طالعتنا عناوين الصحف بهجوم عنيف ترافق مع دخول الصيف لأحد سلالات بكتريا القولون الشهيرة والمعروفة بال Escherichia coli ، والتي أثارت حالة من الرعب في ألمانيا والدول المجــاورة  وتسببت في موت 17 شخص بينما يوجد حوالي 1700 مصاب يعانون من ويلات المرض وأنطلقت حملة من الإتهامات ضد مصدري الخضر في أسبانيا والتي قابلتها حملة دفاعية أسبانية مضادة تنفي أن تكون منتجاتهم هي مصدر العدوى ، ورفعت الأنباء التي وردت من أمريكا عن إصابة حالتين بالمرض من حالة القلق لدى البشر في كافة أقطار الأرض وحتى الأن فقد سجلت 10 دول حدوث اصابات بالمرض لديها ،والسلالة الممرضة والتي تعرف ب 0104:H4 لها قدرة كبيرة على الإلتصاق بجدار الأمعاء وإفراز سمومها مسببة حالة شديدة من الإسهال والقيء وفي الحالات المتأخرة يتطور المرض للمتلازمة المعروفة ب hemolytic uremic syndrome حيث يصاب المريض بالفشل الكلوي و تصاب كرات الدم الحمراء بالتحلل ويصاب المريض بالإسهال الدموي وينتهي الأمر بحدوث سكتة دماغية وغيبوبة.

وبالرغم من أن هذه الحالة لا تظهر ألا في نسبة لا تتعدي ال 10% من حالات الإصابة بالتسمم الغذائي الناتج عن ال E.Coli ألا أن السلالة المنتشرة حاليا تسببت لحوالي 470 مريض من مجموع الإصابات في ظهور أعراض HUS عليهم وهي تعتبر نسبة مرتفعة جدا مقارنة بالنسب المتعارف عليها في السلالات التي تم دراستها سابقا .

وينتقل الميكروب عن طريق تناول الخضر الملوثة  وخاصة التي تأكل نيئة ، وكذلك في اللحوم التي لا يتم طهيها جيدا ، واللبن الغير مبستر ، وكذلك عن طريق شرب المياه الملوثة بالبكتريا "المختلطة بماء الصرف" ويعتبر العاملين في المزارع الحيوانية من أكثر الناس عرضة للعدوى بالمرض. 

ووجد الباحثون أن السلالة المنتشرة حاليا مقاومة للعديد من المضادت الحيوية وحتى المستخدمة ضد البكتريا السالبة الجرام والتي تنتمي اليها بكتريا E.Coli  فيما عدا بعض الأنواع المعروفة ب carbapenem antibiotics  ، كما أنها تصيب الكبار وتصيب النساء بنسبة أكبر على عكس المتعارف عليه بخصوص هذه البكتريا حيث يكون الأطفال هم الأكثر تأثرا بالإصابة .

وحتى يتمكن العلماء من كشف النقاب عن السلالة الجديدة وإيجاد العلاج الأمثل لها والحد من انتشارها ، لا يبقى أمامنا الا الإلتزام بالإجراءات الصحية الوقائية مثل التأكد من نظافة اليدين والأظافر بشكل دائم ، لبس القفازات أثناء اعداد الطعام والتأكد من سلامة الطاهي وخلوه من الأمراض وهي وظيفة وزارات الصحة في الدول المختلفة ، وتجنب الوجبات الجاهزة والمعدٌة خارج المنزل قدر المستطاع ، حفظ الأطعمة في درجة حرارة مناسبة وحمايتها من الملوثات بتغطيتها ، الغسيل الجيد للخضروات ، والطهي الجيد للحوم. وهذه الإجراءات كفيلة بحماية الجسم من العديد من الأمراض والتي قد يحملها إلينا الصيف.

الجمعة، 3 يونيو 2011

في عالم أخر

عجيب هو عالم الإنترنت ، وعجيب ما صنعه فينا وما صنعناه فيه ، يمكنك أن تكون من تشاء وما تشاء على صفحاته ، يمكنه أن يخرج منك أفضل ما فيك ويحقق أحلامك وأمنياتك الضائعة والمؤجلة والمستحيلة ، ويمكنه أن يخرج أسوء ما فيك ويطلق أكثر المشاعر بدائية وعدوانية وكل ما تسعى جاهدا لإخفاءه في واقعك.

يمكنه أن يسمع صوتك للعالم كله و يجمعك بمن يعتنقون نفس أفكارك ولديهم اهتماماتك وأهدافك مهما كانت هذه الأفكار غريبة وشاذة وغير مستساغة لمجتمعك ، فقد أستطاع كل أنسان أن يجد شركاء له يمكنه رفعهم لمرتبة الأصدقاء بعد أن أصبح من الصعوبة بمكان الحصول على أصدقاء حقيقيين بالطريقة التي يحلم بها ويتمناها البشر ، فلا وقت لدينا للقاءات والمجاملات والجلسات ، الإنترنت يعفيك من كل ذلك فلست في حاجة لتوفير وقت أو عمل أستعدادات خاصة للقاء، فيمكنك أن تحدث صديقك الإفتراضي في أي وقت ومن أي مكان وحتى اذا لم يكن متوفر تترك له رسالة وتحصل على الرد عندما يتوفر له الوقت، لا يهم إذا كان عربي أو هندي ، لا يهم اذا كان أبيض أو أسود ، طويل ، قصير ، سمين ، نحيف ، أنت فقط تشاركه أفكارك ، لن تتعرض صداقتكما الإفتراضية لاختبارات صعبة أو مرهقة ، فلا ألتزامات ولا ضغوط ، اذا تعقدت الأمور يمكنك أن تمحو كل شئ بكبسة زر.
يحقق لك الإنترنت الأهداف الثلاثة التي وضعها أرسطو للصداقة: "المنفعة ، اللذة ، الفضيلة" أو يحقق لك أيهم اقرب لنفسك ولإهتماماتك.
فبمعــرفتــك بمن لديهــم نفــس نوعية الدراســة والعمــل يمكنــك أن تحــقق المـنفعة.
وفي وجود كل وسائل الترفيه من موسيقــى وفنون وغيره يمكنك أن تحقق اللذة، بتبادل ما يسعدك مع من يشاركونك في الميول.
ويمكنك تحقيق الفضيلة بالتعاون مع من وهبــوا أنفســهم لها وعملوا على نشرها من منظمات حقوقية ومهتمين بخير البشرية وسلامتها.

أستطاع الإنترنت أن يخلق نوع جديد من العلاقات الإجتماعية، نوع فريد يحوي كل التناقضات ، فأنت وحدك بين أربعة جدران ، ولكنك مع ألاف البشر ، تتحدث وتغني وتضحك وتغضب بالرغم من أنك صامت فكل مشاعرك وانفعالاتك أصبحت افتراضية أيضا.

أستطاع الإنترنت أن يضم في رحابه مشاعر الغضب والكبت والإحباط التي عاناها الشباب العربي لسنوات طويلة ، وفتح لهم الباب على مصرعيه للنقاش وتبادل المعلومات والإختلاف والإتفاق ، وفتح عيونهم على عوالم أخرى حيث للإنسان حقوق وللإنسانية معاني لم نلمسها يوما، في كل لحظة كانت كرة اللهب تكبر وتزداد قوة وعنفوانا حتى لم يعد العالم الإفتراضي بقادر على احتوائها فخرجت للواقع تحرق الظلم والفساد والإستبداد.

قد يراه البعض "وأنا منهم" أروع اختراع عرفته البشرية فالعالم كله تحت أصابعك بتاريخه وأخباره وعلومه وفنونه وكل ما شئت وتمنيت.

وقد يراه البعض الأخر لعنة كبرى اذا ترك نفسه للإنزلاق وراء الشياطين القابعين في جنباته والمتحينين الفرصة لسقوط الضحايا من العابثين والغافلين.

و تبقى العلاقات الإجتماعية على الشبكة العنكبوتية غير كاملة وغير مأمونة وتعاني من الإزدواجية فأنت تعرف أشخاص لا تعرفهم وتصادق أشخاص قد لا يحالفك الحظ بلقائهم يوما.

الاثنين، 30 مايو 2011

فن إخماد الثورات

كانت الصورة المنقولة من ميدان التحرير يوم الجمعة الماضية والذي أعلن عن أختلافات جوهرية في الرؤى وتضارب في المطالب والأهداف ، وما سبقها من حملات إعلامية من مختلف القوى السياسية المصرية وما تلاها من تقارير متضاربة وآستنتاجات متفاوتة وغير مترابطة نموذج حي على وصول الثورة لمرحلة حرجة وغير مبشرة .
جعلني المشهد أتسائل ما الذي دفع العربة لهذا المنزلق الذي يجعل من الصعب التحكم فيها وفي مصيرها ويدوس على كل القيم والأهــداف التي قامــت الــثورة عليها وبـها ؟
والرد ليس بعسير حيث يمكن للمتابع أن يرى أن ما أوصل الأمور لما هي عليه هو التدافع الغير متعقل على جني ثمار لم تنضج بعد ولم يحن وقت قطافها ، هذا التدافع الذي يحركه وقود الأيديولوجيات المختلفة التي تتحكم في الشارع وفي النخبة السياسية  وحضرني تعريف عالم الإجتماع الشهير البروفيسور كارل منهايم Karl Mannheim للأيديولوجية في كتابه "الأيديولوجية والطوبائية" الذي نشره عام 1936 فيقول بأنها "الأفكار المشوهة التي تطلقها الطبقة الحاكمة لتحافظ على النظام الاجتماعي الحالي أو النظام الاجتماعي السابق أو هي التعبير الفكري لجماعة من الجماعات وهذا التعبير يساعدها على تحقيق أهدافها وطموحاتها" ، ويفسر هذا تسارع كل فريق منهم لإظهار حجم قوته وتأثيره في الشارع وقدرته على الحشد الجماهيري والتي تعني قدرته على التأثير في صنع القرار ، فمنهم من أستخدم قوته سلبا بالتشكيك في نوايا وأنتماءات الفئة التي خرجت للمطالبة باستكمال تنفيذ المطالب الأساسية للثورة وطالب أتباعه ومريديه بعدم الخروج أو الإشتراك بأي صورة من الصور في التظاهرة ، ومنهم من لم يكتفي بذلك وإنما وصل به العناد والتطرف حد الرضا بالأوضاع ورفض إستكمال أعمال التطهير والمحاسبة بحجة أنه يسعى للإستقرار ، حتى أصبح يتحدث بلسان أعضاء الحزب الوطني المنحل ويقبع معهم في نفس الخندق!!
عندما أشتعلت الثورة أذاب لهيبها الفوارق كلها وعندما كانت في عنفوانها وتسير في طريقها الصحيح لم يكن هناك رجل وامرأة ، لم يكن هناك  ليبرالي ، إخواني ، سلفي ، ماركسي  لم يكن هناك نوبي ، بدوي ، قروي ، جنوبي ، أختفت الفوارق تحت مظلة الأهداف الواحدة ، والمطالب المشتركة، عدالة ومساواة ، تطهير ومحاسبة ،  حرية شاملة تطول النقابات والجامعات والمؤسسات الإعلامية ، وتحرير للقضاء من أي ضغوط ، القضاء على البطالة، ورفع المستوى المعيشي ، والقضاء على غول الفساد.
فمن الذي استطاع في غفلة من الزمن احياء الصراع الأيديولوجي وتقويته وجعله سيد الموقف الأن، حتى تناسى الجميع الأهداف الأساسية وتفرغوا لتكفير وتجهيل وإنكار حق الأخر في الوجود؟

الخميس، 26 مايو 2011

هموم نسائية

في آستراحة العمل تجد النساء العاملات الفرصة مُهيٌئة لبث شجونهن ومتاعبهن وما يلاقينه من مشاكل يومية.
تتراوح أعمارهن ما بين العشرين والأربعين وتتفاوت أعمار أطفالهن ما بين رضيع ومراهق ، تختلف ألوانهن وحظوظهن من الجمال والمنصب ، تختلف جنسياتهن العربية ومستوياتهن الإجتماعية والمادية ولكن .. تتشابه شكاواهن وحكاياتهن فما يحملنه من أعباء يؤثر فيهن ويسبب لهن الكثير من القلق والحزن، فبالرغم من مجهودات المنظمات المدافعة عن حقوق  النساء العربيات لسنوات وعقود وبالرغم من التغيرات التي لا يمكن إنكارها والتي طرأت على تفكير المرأة وثقافتها في العصر الحالي وأرتقاء مستواها التعليمي والوظيفي ، إلا أن ذلك لم يصحبه تغير إيجابي حقيقي في شخصية الرجل العربي وموروثاته والحقوق التي يدٌعيها ويقرٌه عليها المجتمع من حوله ، والنتيجة أن تضاعفت مسؤوليات المرأة مقابل حصول الرجل على حريات أكبر ومسؤوليات أقل ، وأصابته درجة من الإزدواجية في تصرفاته ومفاهيمه تحتاج لدراسة وعلاج، فبينما هو لا يجد أي غضاضة في تقبل ما تنفقه زوجته على المنزل بل يجد أن ذلك شئ طبيعي وأنها تعمل ومن واجبها أن تنفق من دخلها حتى لو كان دخله غير كافي لإحتياجات المنزل والأسرة وكان عملها هذا ضروري لإستمرار الحياة وليس مجرد شغلا لوقت فراغها، تجده يشعر بالضيق الشديد في حالة تعرض لموقف يتضح فيه للأخرين أن الزوجة تتحمل العبئ المادي الأكبر وتجده يتعالى على المهام والأعمال المنزلية ويعتبرها تنتقص من رجولته ، وقد يرفض الكثير منهم المساعدة في رعاية الأبناء بحجة أن هذه أعمال نسائية بحتة لا يجب أن يتورط هو فيها.
باختصار تنازل أدم عن مسؤولياته ولم يتنازل عن حقوقه ، وتقبلت حواء المزيد من المسؤوليات ودفعت الثمن من راحتها وأعصابها وحياتها ، وبينما ترتفع طموحاتها وتزداد تطلعاتها لحياة أفضل لها ولأبنائها تزداد لامبالاته وتقتصر أحلامه على الحصول على أكبر درجات الراحة والرفاهية الشخصية ، فهو يريدها عاملة صباحا تتحمل الأعباء المادية ، وربة منزل في المساء تقوم برعاية المنزل والأطفال وحبيبة ليلا لتدليله وتنفيذ رغباته ، ودون أن تحصل هي على أدني تقدير أو تفهٌم لإحتياجتها أو الشعور بما تتحمله وتكنه من أحاسيس تؤرٌقها وترهقها.
ولأن عملي يفرض على متابعة أزواج من كافة الجنسيات ، أجد نفسي لا أستطيع تجنب عقد مقارنة ما بين الزوج الغربي والزوج الشرقي في تعاطفه مع زوجته ورعايته لها ، فبينما يشد الغربي على يد زوجته ولا يفارقها في كافة مراحل الحمل ويصر على التواجد إلى جوارها وقت الوضع ، تجد الشرقي لا يهتم إلا بنوع المولود وحساب المستشفى ، ولا أنسي سيدة كانت بحاجة للدماء وطلبت من زوجها التبرع لها فتعلل بأنه سيذهب للعمل لأخذ الإذن بالتواجد الى جوار زوجته ، بينما هي أمسكت يدي وهمست لي .."لن يأتي لا تتعبي نفسك" ولم يخيب هو ظنها فلم نراه مرة أخرى وحتى خروجها سالمة من المستشفى!
فهل يمكن أن يتخلص الشرقي من أنانيته ويتحمل مسؤولياته قبل أن يطفح الكيل بحواء؟

الأحد، 22 مايو 2011

إعلامنا الذي لم تصله الثورة

تحول الإعلام في عصر تكنولوجيا المعلومات لقوة دولية مؤثرة على كافة الأصعدة وفي كافة المجالات ، ولم يعد الأمر قاصر على نقل الأخبار أو الأحداث اليومية التي يتعرض لها البشر حول العالم ، ولكن أستطاعت المؤسسات الإعلامية أن توجه الأنظار وتقدم توعية حقيقية شاملة بالكثير من المخاطر وتعرض أثار ذلك على المشاهد العادي وتقرب له المسافات بحيث يستطيع إنسان عادي معرفة حجم المخاطر التي يسببها الإحترار العالمي ويرى بعينيه ذوبان الجليد في الأقطاب وتأثير أرتفاع درجة الحرارة على الكائنات الحية وكيف أن ذلك أصبح يهدد العديد من الكائنات في بيئتها ويعرضها لمخاطر الإنقراض.
ويشكل ذلك نوعا من الضغط و التنبيه لمن بيدهم صنع القرار لفرض قوانين تحد من التلوث وتمويل الأبحاث التي تدرس وجود مصادر بديلة للطاقة ووسائل للتعامل مع النفايات والإنبعاثات لا تضر بالبيئة.
أو يقوم بتوضيح حجم الكارثة التي تعرض لها الناس في منطقة من الأرض ككارثة تسونامي التي أصابت اليابان أو إندونيسيا سابقا ، يجعلك الإعلام تعيش مع الناس المأساة لحظة بلحظة ، فيفتح ذلك المجال للعمل الإنساني والتطوعي للقيام بدوره وتدفع الكثير من الناس للمشاركة أو إقتراح حلول تخفف من المأساة أو تقديم تبرعات ومعونات ترفع المعاناة عن المنكوبين.
ويستطيع الإعلام إيصال أصوات المقهورين والذين نالهم القمع أو تضرروا من الصراعات الطائفية والعرقية المسلحة فتشكل أصواتهم قوة ضاغطة على المجتمع الدولي لإتخاذ قرارات وإجراءات تساهم في وضع حد لتلك الصراعات وإرسال المساعدات وأعمال الإغاثة اللازمة للإبقاء على حياتهم.
وتساهم وكالات الفضاء ومراكز البحوث العلمية بشكل كبير في إعطاء صور وبيانات هامة تمكن المشتغلين في اعمال الإغاثة الإنسانية من القيام بدورهم بدرجة أكثر كفاءة ، فبإمكانهم إعطاء بيانات عن الأماكن المتضررة بدقة وحجم الضرر المحتمل وأعداد البشر المتضررين.
وفوق ذلك يستطيع الإعلام أن يكون شاهد يوثق لجرائم الإبادة الجماعية ويسمح للناجين بمقاضاة مرتكبي الجرائم دوليا وإدانتهم كما حدث في كوسوفو حيث أمكن تصوير وإثبات وجود مقابر جماعية أدت لمحاكمة سفاح الصرب سلوبودان ميلوسوفيتش أمام محكمة لاهاي الدولية في اتهامات بجرائم ابادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية والذي راح ضحيته قرابة 300 ألف قتيل وتم تهجير قرابة 750 ألف شخص وأستمرت محاكمته قرابة أربعة سنوات حتى لقى حتفه في محبسه.
وأستطاع الإعلام الغربي متابعة ومواكبة أحداث وتطورات الثورات والإنتفاضات في البلدان العربية بينما غاب تماما ما يطلق عليه الإعلام العربي باستثناء قناة الجزيرة وبعض المواقع الإلكترونية الهامة عن تغطية الأحداث، وأنكشف عار إعلامنا العربي وعواره بدرجة مهينة ومخزية فلم تتوقف صحفنا وقنواتنا الفضائية المتعددة ، الحكومية والحكومية المستترة عن بث الأكاذيب وتشويه الحقائق وتضليل المشاهدين بروايات وصور لا تمت للحقيقة بصلة ، فبالرغم من حجم الإنفاق الذي كان ولا يزال ينفق عليه وبالرغم مما تتكبده ميزانية الدولة من أجل تحقيق الإستمرارية له فقد حولته التبعية المطلقة للسلطة وتفشي الفساد في منظومته الى كيان هش غير ذات مصداقية ، وأصبحت مهمته التضليل والتجهيل عوضا عن المهام الأصلية للإعلام والتي تتمثل في التوعية والتنوير.
قد يدعي البعض أن هناك تغيير طرأ على الإسلوب الذي أصبح الإعلام يتناول به القضايا العامة والحيوية بعد الثورة ، ولكن لا يرقى هذا التغيير لأن يجعل منه إعلام ذات مصداقية ، فمازال يسير في الخطوط المرسومة له دون أن يجرؤ على الخروج عنها ومازال يمارس أساليب التضليل والتغييب ومازالت الطواقم العاملة به هي طواقم كانت معايير توظيفها للعمل هي الوساطات والمحسوبيات وليست الكفاءات.
أعتقد أن إعلام الدولة يمكن اعتباره مؤشر جيد على حالتها فهومقياس لمستوى الشفافية والحريات السياسية والثقافة الإجتماعية التي تتمتع بها الدولة حكومة وشعباً، فعندما يكون لدينا إعلام قوي ومهني ومؤثر يملك القدرة على مناقشة كافة القضايا الهامة بلا خوف ولا تدليس سأعرف أن الثورة حققت أهدافها.

الثلاثاء، 17 مايو 2011

الجريمة والعقاب

العقاب أحد البديهيات التي تستقيم بها الحياة فوجوده يعطي الأمل لمن تم الإعتداء عليه أو أنتهكت حقوقه بأنه سيرى يوما ما من أذاه يذوق الألم ويعرف معنى العذاب ، وهو رادع لمن تسول له نفسه التعدي على حقوق الأخرين ونيل ما ليس له فيه حق ، ولم تخلو الروايات والمثيولوجيا قديما وحديثا من ذكر للخطايا التي يصنعها البشر وكيف أن المخطئ يلاقي عقوبته الربانية في النهاية، فلابد للمخطئ من عقاب ولابد للطيبين من مكافئة فهذا يشعر السامعين والقارئين بحالة من الرضا والراحة ، وان كانت الحياة لا تسير دوما على نفس المنوال فقد يعيش الإنسان ويموت مسلوب الحق مهدر الحقوق وينال الظالمون كل أسباب العزة والرفعة والرفاهية.
عندما تختل موازين العدالة ويسمح النظام القائم للجاني أن يفر بلا عقوبة تبدأ أركان الدولة في الإنهيار وينتشر الفساد وتسود الفوضى فمن تعرض للظلم قد يفعل أي شئ مقابل نيل ما يعتقد أنه حقه وقد يستخدم في ذلك وسائل غير مشروعة فيصبح جاني ومجني عليه في أن واحد ، أو قد يجعله الظلم يكفر بالقيم وينجرف في تيار الفساد ، إذا أردت لدولة أن تنهار فابدأ بالعبث بمنظومة العدالة ، حيث تطول اجراءات التقاضي وتتدخل السلطة والرشوة والمصالح في سير العملية وحتى إذا نال المظلوم حكم نهائي بعد سنوات من العذاب لا يجد من ينفذ له الحكم فيصبح ما ناله لا يتعدى كونه حبر على ورق.
هذه الإجراءات العبثية هي تحديدا ما جعل الفساد ينتشر ويتسرب لكل مؤسسة من مؤسسات الدولة وحتى أصاب الحياة الإجتماعية بخلل شديد من الصعب علاجه ، وليس بخفي على الجميع أن الفساد كان من أهم أسباب قيام الثورة ، وأجتثاثه ومحاسبة المسؤولين عنه مطلب من أهم مطالب الثورة اذا لم يتم بشكل سريع وعادل ومُرضي بلا التفاف ولا مجاملات فإن ذلك سيفتح الجروح التي لم تندمل ويهيج نفوس شعب عاني من ويلات الظلم والقهر لعقود.
وإذا كان العقاب هام وضروري في الجرائم الفردية والتي تعرض فيها أشخاص محدودون للظلم فإن العقوبة تبدو حتمية لاجدال فيها عندما يكون الضحية شعب كامل أنتُهكت أرضه وحضارته وثرواته وحياته ومستقبله وصحته وكرامته وحتى أن حياته لم تحظى بالقدسية التي أحاطها الخالق بالحياة لكل مخلوقاته.
خسائرنا لم تكن أموال ضاعت أو سرقت ، خسائرنا أكبر وأعمق ، ولا يوجد في قانون العقوبات عقوبة تكفر عن الجرائم التي أرتكبها النظام السابق في حق مصر وشعبها فهناك أشياء كما قال شاعرنا الرائع أمل دنقل .. لا تشترى .
لا تصالح!
.. ولو منحوك الذهب
أترى حين أفقأ عينيك
ثم أثبت جوهرتين مكانهما..
هل ترى؟..
هي أشياء لا تشترى..

الجمعة، 13 مايو 2011

الإنكار

عندما يواجه الإنسان بشئ يفوق إحتماله كموت عزيز أو معرفته بإصابته بمرض خطير أو مرض إنسان أخر يهتم بأمره كثيرا يلجأ في كثير من الأحيان لتقنية دفاعية تعمل كحاجز بينه وبين ما لا يستطيع مواجهته  هذه التقنية الدفاعية تعرف بالإنكار، ولأن الكثير من البشر يلجأون لهذه التقنية الدفاعية في مرحلة ما في حياتهم فقد أصبح من المنطقي أن نأخذها في الحسبان عند التعامل مع الناس في المواقف الحرجة وحتى أنها أصبحت أحد الخطوات التي يجب على الطبيب العمل عليها عند تعامله مع المرضى ، فعندما تضطر لتبليغ زوجين دخلا مرحلة الأبوة منذ زمن قصير وجائهم ضيف صغير أنتظراه بشوق وأمل فترة الحمل وأستعدا لولادته وتمت عملية الولادة بنجاح ، عندما تخبرهما بأن الطفل يعاني من مرض أو عيب وراثي سيؤثر على حياته ، يجب أن يكون لديك الإستعداد لتقبل إنكارهما لهذا ورفضهما لتشخيصك ولجوئهما لأخرين ليؤكدوا لهم التشخيص ، فليس من السهل تقبل أن يأتي الحلم منقوص أو مشوه وليس من السهل على البشر مواجهة الفقد وأنتظار الألم والمعاناة القادمة .
إذا فالإنكار أحد ردود الفعل البشرية المعروفة والتي قد تظهر كرد فعل فردي على مشكلة شخصية أو حتى رد فعل جماعي في حالة وقوع مجتمع بالكامل تحت ضغوط وتضليله إعلاميا لسنوات طويلة حتي أنك تذهل عندما تقودك الظروف للحوار مع أحد المنكرين والذي قد يعميه الإنكار عن كوارث تحيط به من كل جانب يرفض التعامل معها ومواجهتها حتى تستفحل وتنفجر أمامه وربما يسوقه هذا لإستخدام التبرير كسلاح دفاعي أخر يغطي به قصوره وما أكثر أسلحة النفس الدفاعية المضللة.
وليس أبلغ من العبارة الإنجليزية القديمة لوصف حالة الإنكار والتي تقول:
Denial is more than just a river in Egypt
والتي طالما أثبتت صدقها على أرض الواقع في السنوات الماضية ، وجعلتني أتسائل بعد قيام الثورة هل الناس أتفقوا على التوقف عن تجرع ماء هذا النهر المضلل يوم 25 يناير؟ أو هل جفت مياهه فجأة ؟ حتى تبين لي أن هذا النهر الملعون تمتد روافده في جنبات الوطن العربي وما فعله أنه أتخذ من الأراضي السورية موطنا جديدا ، فحالة النكران التي آنتابت رموز النظام السوري ومؤيديه تفوق الوصف وتتحدى العقل والمنطق ، فهم ولسنوات طويلة يعيشون في وطن أشبه بكهف أفلاطونى تمتنع عنهم فيه وسائل الإتصال بالعالم الخارجي وكأننا مازلنا في عصور الستينات حيث لا يسمع الناس غير صوت النظام ولا يروا إلا ما يراه النظام فإذا قال لهم نظامهم أن الديمقراطية كفر فهي كفر وإذا قال لهم أنه وحده الممانع الصامد الذي يحمي الديار فهو كذلك ، وإذا قال لهم أن ألاف المواطنين الذين يتم تعذيبهم والتنكيل بهم وحتى إبادتهم هم إرهابيين وعملاء ومأجورين ومغرر بهم ، تجدهم يؤمنون على ذلك ويطالبونه بإبادتهم غير مأسوف عليهم ، ومهما حاولت أن تسمعهم أصوات العالم من حولهم لا يستمعون ولو أستمعوا لا يصدقون ، هل العالم كله كاذب وإعلامكم وحده الصادق؟ إذا كان نظامكم صادق فلماذا أغلق الأبواب وحاصر المدن ومنع كل الحقوقيين والمنظمات الدولية والإعلاميين من النقل والمتابعة؟  لماذا يداعب الغرب كما فعلت وتفعل النظم الديكتاتورية المماثلة بالتلويح بسيف الإسلاميين وبكونهم البديل الوحيد عنهم والذي يحفظ للكيان الصهيوني أستقراره وأمنه! بل وكيف يتفق تصريح رامي مخلوف مع الإدعاء بالممانعة ودعم المقاومة!
  بل كيف يمكن أن يدعي أحد أنه أختار بمحض إرادته نظام ديكتاتوري يستأثر فيه الحزب الواحد بالوطن ومن فيه ويقوم بتوريث الحكم رغما عن أنف الدستور والقانون ونظام الدولة الجمهوري؟
في انتظار ما ستسفر عنه الأيام القادمة وسنرى هل سيستطيع من خرجوا من الكهف وطالبوا بالحرية أن ينقلوا للأخرين ما رأوه تحت ضوء الشمس أم سيكتب عليهم أن يختنقوا بأحلامهم ويقبعوا مع القابعين في الكهف.