الثلاثاء، 17 مايو 2011

الجريمة والعقاب

العقاب أحد البديهيات التي تستقيم بها الحياة فوجوده يعطي الأمل لمن تم الإعتداء عليه أو أنتهكت حقوقه بأنه سيرى يوما ما من أذاه يذوق الألم ويعرف معنى العذاب ، وهو رادع لمن تسول له نفسه التعدي على حقوق الأخرين ونيل ما ليس له فيه حق ، ولم تخلو الروايات والمثيولوجيا قديما وحديثا من ذكر للخطايا التي يصنعها البشر وكيف أن المخطئ يلاقي عقوبته الربانية في النهاية، فلابد للمخطئ من عقاب ولابد للطيبين من مكافئة فهذا يشعر السامعين والقارئين بحالة من الرضا والراحة ، وان كانت الحياة لا تسير دوما على نفس المنوال فقد يعيش الإنسان ويموت مسلوب الحق مهدر الحقوق وينال الظالمون كل أسباب العزة والرفعة والرفاهية.
عندما تختل موازين العدالة ويسمح النظام القائم للجاني أن يفر بلا عقوبة تبدأ أركان الدولة في الإنهيار وينتشر الفساد وتسود الفوضى فمن تعرض للظلم قد يفعل أي شئ مقابل نيل ما يعتقد أنه حقه وقد يستخدم في ذلك وسائل غير مشروعة فيصبح جاني ومجني عليه في أن واحد ، أو قد يجعله الظلم يكفر بالقيم وينجرف في تيار الفساد ، إذا أردت لدولة أن تنهار فابدأ بالعبث بمنظومة العدالة ، حيث تطول اجراءات التقاضي وتتدخل السلطة والرشوة والمصالح في سير العملية وحتى إذا نال المظلوم حكم نهائي بعد سنوات من العذاب لا يجد من ينفذ له الحكم فيصبح ما ناله لا يتعدى كونه حبر على ورق.
هذه الإجراءات العبثية هي تحديدا ما جعل الفساد ينتشر ويتسرب لكل مؤسسة من مؤسسات الدولة وحتى أصاب الحياة الإجتماعية بخلل شديد من الصعب علاجه ، وليس بخفي على الجميع أن الفساد كان من أهم أسباب قيام الثورة ، وأجتثاثه ومحاسبة المسؤولين عنه مطلب من أهم مطالب الثورة اذا لم يتم بشكل سريع وعادل ومُرضي بلا التفاف ولا مجاملات فإن ذلك سيفتح الجروح التي لم تندمل ويهيج نفوس شعب عاني من ويلات الظلم والقهر لعقود.
وإذا كان العقاب هام وضروري في الجرائم الفردية والتي تعرض فيها أشخاص محدودون للظلم فإن العقوبة تبدو حتمية لاجدال فيها عندما يكون الضحية شعب كامل أنتُهكت أرضه وحضارته وثرواته وحياته ومستقبله وصحته وكرامته وحتى أن حياته لم تحظى بالقدسية التي أحاطها الخالق بالحياة لكل مخلوقاته.
خسائرنا لم تكن أموال ضاعت أو سرقت ، خسائرنا أكبر وأعمق ، ولا يوجد في قانون العقوبات عقوبة تكفر عن الجرائم التي أرتكبها النظام السابق في حق مصر وشعبها فهناك أشياء كما قال شاعرنا الرائع أمل دنقل .. لا تشترى .
لا تصالح!
.. ولو منحوك الذهب
أترى حين أفقأ عينيك
ثم أثبت جوهرتين مكانهما..
هل ترى؟..
هي أشياء لا تشترى..

الجمعة، 13 مايو 2011

الإنكار

عندما يواجه الإنسان بشئ يفوق إحتماله كموت عزيز أو معرفته بإصابته بمرض خطير أو مرض إنسان أخر يهتم بأمره كثيرا يلجأ في كثير من الأحيان لتقنية دفاعية تعمل كحاجز بينه وبين ما لا يستطيع مواجهته  هذه التقنية الدفاعية تعرف بالإنكار، ولأن الكثير من البشر يلجأون لهذه التقنية الدفاعية في مرحلة ما في حياتهم فقد أصبح من المنطقي أن نأخذها في الحسبان عند التعامل مع الناس في المواقف الحرجة وحتى أنها أصبحت أحد الخطوات التي يجب على الطبيب العمل عليها عند تعامله مع المرضى ، فعندما تضطر لتبليغ زوجين دخلا مرحلة الأبوة منذ زمن قصير وجائهم ضيف صغير أنتظراه بشوق وأمل فترة الحمل وأستعدا لولادته وتمت عملية الولادة بنجاح ، عندما تخبرهما بأن الطفل يعاني من مرض أو عيب وراثي سيؤثر على حياته ، يجب أن يكون لديك الإستعداد لتقبل إنكارهما لهذا ورفضهما لتشخيصك ولجوئهما لأخرين ليؤكدوا لهم التشخيص ، فليس من السهل تقبل أن يأتي الحلم منقوص أو مشوه وليس من السهل على البشر مواجهة الفقد وأنتظار الألم والمعاناة القادمة .
إذا فالإنكار أحد ردود الفعل البشرية المعروفة والتي قد تظهر كرد فعل فردي على مشكلة شخصية أو حتى رد فعل جماعي في حالة وقوع مجتمع بالكامل تحت ضغوط وتضليله إعلاميا لسنوات طويلة حتي أنك تذهل عندما تقودك الظروف للحوار مع أحد المنكرين والذي قد يعميه الإنكار عن كوارث تحيط به من كل جانب يرفض التعامل معها ومواجهتها حتى تستفحل وتنفجر أمامه وربما يسوقه هذا لإستخدام التبرير كسلاح دفاعي أخر يغطي به قصوره وما أكثر أسلحة النفس الدفاعية المضللة.
وليس أبلغ من العبارة الإنجليزية القديمة لوصف حالة الإنكار والتي تقول:
Denial is more than just a river in Egypt
والتي طالما أثبتت صدقها على أرض الواقع في السنوات الماضية ، وجعلتني أتسائل بعد قيام الثورة هل الناس أتفقوا على التوقف عن تجرع ماء هذا النهر المضلل يوم 25 يناير؟ أو هل جفت مياهه فجأة ؟ حتى تبين لي أن هذا النهر الملعون تمتد روافده في جنبات الوطن العربي وما فعله أنه أتخذ من الأراضي السورية موطنا جديدا ، فحالة النكران التي آنتابت رموز النظام السوري ومؤيديه تفوق الوصف وتتحدى العقل والمنطق ، فهم ولسنوات طويلة يعيشون في وطن أشبه بكهف أفلاطونى تمتنع عنهم فيه وسائل الإتصال بالعالم الخارجي وكأننا مازلنا في عصور الستينات حيث لا يسمع الناس غير صوت النظام ولا يروا إلا ما يراه النظام فإذا قال لهم نظامهم أن الديمقراطية كفر فهي كفر وإذا قال لهم أنه وحده الممانع الصامد الذي يحمي الديار فهو كذلك ، وإذا قال لهم أن ألاف المواطنين الذين يتم تعذيبهم والتنكيل بهم وحتى إبادتهم هم إرهابيين وعملاء ومأجورين ومغرر بهم ، تجدهم يؤمنون على ذلك ويطالبونه بإبادتهم غير مأسوف عليهم ، ومهما حاولت أن تسمعهم أصوات العالم من حولهم لا يستمعون ولو أستمعوا لا يصدقون ، هل العالم كله كاذب وإعلامكم وحده الصادق؟ إذا كان نظامكم صادق فلماذا أغلق الأبواب وحاصر المدن ومنع كل الحقوقيين والمنظمات الدولية والإعلاميين من النقل والمتابعة؟  لماذا يداعب الغرب كما فعلت وتفعل النظم الديكتاتورية المماثلة بالتلويح بسيف الإسلاميين وبكونهم البديل الوحيد عنهم والذي يحفظ للكيان الصهيوني أستقراره وأمنه! بل وكيف يتفق تصريح رامي مخلوف مع الإدعاء بالممانعة ودعم المقاومة!
  بل كيف يمكن أن يدعي أحد أنه أختار بمحض إرادته نظام ديكتاتوري يستأثر فيه الحزب الواحد بالوطن ومن فيه ويقوم بتوريث الحكم رغما عن أنف الدستور والقانون ونظام الدولة الجمهوري؟
في انتظار ما ستسفر عنه الأيام القادمة وسنرى هل سيستطيع من خرجوا من الكهف وطالبوا بالحرية أن ينقلوا للأخرين ما رأوه تحت ضوء الشمس أم سيكتب عليهم أن يختنقوا بأحلامهم ويقبعوا مع القابعين في الكهف.

الاثنين، 9 مايو 2011

نحو أنتخابات نزيهة

تشكل نزاهة الإنتخابات هاجس للسياسيين والناخبين الواعين على حد سواء فهي خطوة من أهم الخطوات نحو إقامة حياة ديمقراطية سليمة تقوم على العدالة والمساواة وإحترام حق الفرد في اختيار من يمثله ، ولا يخفى على أحد الأساليب البدائية التي يتم استخدامها في الدول العربية والتي يمكن وبسهولة شديدة التحايل عليها وتغليب أفراد بعينهم على عكس إرادة الناخبين وضد الإرادة الشعبية ،  حتى أن نسبة كبيرة جدا من الجماهير كانت قد أحجمت بالكامل عن المشاركة الإنتخابية وأثرت الإحتفاظ بصوتها لنفسها في ما يمكن أن ندعوه تصويت سلبي بعدم الثقة في الحكومة والنظام القائم برمته. وليس من الغريب أن يكون إهتمام الإنسان بالإقتراع قديم قدم التاريخ ذاته فقد سجلت أثينا مهد الدولة المدنية  أول التجارب الديمقراطية وعرفت أهمية التصويت ورأي الأغلبية في صناعة القرار وأستخدموا أحجار بيضاء للتصويت ب "نعم" وأحجار سوداء للتصويت ب "لا" بينما سجلت الحضارة الفرعونية تجارب بدائية للتصويت باستخدام قطع الفخار عليها علامات تدعى "أوستراكا".
وتمر السنون وتغزو التكنولوجيا الحديثة معظم الأنشطة البشرية تقريبا وليس بغريب أن يطال التطوير أساليب التصويت وتقتحم التكنولوجيا العملية الإنتخابية خاصة في الدول التي تعرف قدر الصوت وتهتم بإبراز رأي الأغلبية وإحترام الإرادة الشعبية وحق الشارع في المشاركة في صنع القرار.
أول براءة إختراع تم تسجيلها بخصوص أجهزة الإقتراع كانت للعبقري إديسون قبل 142 عام في 1869 ميلادية، ولكن لم يلتفت أحد لذلك ولم تتطور الأجهزة فعليا إلا في سبعينيات القرن الماضي.  وهناك تجارب متميزة رائدة أستحقت أن تشكل مثل يحتذى به من قبل الديمقراطيات الناشئة . فالبرازيل على سبيل المثال بدأت آستخدام التقنية منذ التسعينيات وقامت بتجربة العديد من الأنظمة حتى أستقرت أخيرا على آستخدام نوعية محددة من الأجهزة منذ عام 2000 وأستطاع النظام المستخدم التعامل بكفاءة عالية مع عدد الناخبين البالغ 106 مليون ناخب.
وفي أمريكا تم أستخدام العديد من التقنيات في العديد من الولايات وتم دراسة عيوب ومميزات الأجهزة المستخدمة باستفاضة شديدة فقد تم أستخدام الأجهزة الحساسة للعلامات والتي تعتمد على مسح ورقة التصويت ألياً لبيان مكان العلامة في الأشكال الدائرية أو البيضاوية التي تمثل الإختيارات المتاحة، كما تم آستخدام الألات ذات الزراع وبطاقات التثقيب وصولا للأجهزة الأحدث والأدق حى الأن والمعروفة بالأجهزة ذات التسجيل المباشر direct record electronic - DRE  ولم تخلو هذه الألات الحديثة أيضا من العيوب الصناعية والتقنية بالرغم من محاولة الولايات المختلفة وضع قواعد ومواصفات عامة لها لتنفيذها من قبل الشركات المنتجة لها .
ونأتي للتجربة الهندية وهي تجربة أيضا لا يمكن إغفالها فليس من السهل التعامل مع أصوات بعدد الناخبين في الهند . فقد أنتجت الهند جهاز إلكتروني للتصويت   Electronic Voting Machine  وتم أعتماده وأستخدامه في الإنتخابات الهندية منذ عام 1989 - 1990 يستوعب الجهاز الواحد قرابة ال 3840 صوت وهي رخيصة الثمن ويمكنها العمل على بطاريات الشحن لإستخدامها في المناطق النائية بكفاءة ويمكن لهذه الأجهزة الإحتفاظ بنتائج الإنتخابات لمدة تصل لعشرة سنوات.
وبالرغم من أن الأجهزة الحديثة تقلل كثيرا من إحتمالية الخطأ والتلاعب ، إلا أنها لا تستطيع إلغاء ذلك بالكلية فمازال هناك العديد من المشكلات التي قد تواجه المستخدمين منها المستوى الثقافي والتعليمي والذي قد يقف حجر عثرة أمام نسبة كبيرة من المصوتين في البلدان النامية مما يستوجب معه وضع أنظمة سهلة الإستخدام وواضحة للجميع وكذلك ضرورة تدريب المشرفين على العملية الإنتخابية على هذه الأجهزة ليمكنهم إدارة الإنتخابات بكفاءة وعمل رقابة صارمة على جميع خطوات الإقتراع لتأمينها من عمليات الإحتيال ، والأهم أن يتمتع الناخبين بدرجة من الوعي والثقافة لمعرفة أن صوتهم يساوي مستقبلهم ومستقبل أبنائهم لذلك هو لا يقدر بثمن. أتمنى أن تدخل بلادنا عصر التصويت الإلكتروني وعصر الديمقراطية الفعلية بعد ما عانيناه من ويلات في عصور الإستبداد.

الخميس، 5 مايو 2011

السباق الأخير

سنوات طويلة هي سنوات الصراع الأفريقي، وملايين هم من قضوا نحبهم أو تم تشريدهم كنتيجة حتمية لهذا الصراع الدموي ، وكأن القارة السوداء وسكانها على موعد مع الشقاء والتعاسة فلا يكفي ما يعانونه من فقر وجدب وسنوات جفاف حتى أشتعلت العديد من الصراعات في جنبات القارة بداية بجروح السودان النازفة في الجنوب وفي دارفور والتي لم ولن يحلها الإنفصال بشكل جذري وإنما قد يفاقم الحالة ويزيدها سوء بوجود طرفين على أهبة الإستعداد دائما لإشعال حرب جديدة، والصراعات الأثيوبية - الإريترية والصراعات بين بوروندي وأنجولا  والصراعات بين ليبيريا والصومال والمذابح الرواندية البشعة التي صنعها الخلاف الإثني بين قبيلتي الهوتو والتوتسي ، والصراعات النيجيرية ، تحير الباحثين عن الأسباب الحقيقية وراء هذه الصراعات التي لا تنتهي ولا تهدأ فالبعض يعزي ذلك للإثنيات المتعددة التي ينحدر منها القبائل والعائلات في أفريقيا والبعض يعزوها للصراعات الطائفية والدينية والبعض يرجع ذلك للفقر ونقص الموارد والذي جعل الكثير من الصراعات تقوم على محاولة السيطرة على المناطق والأقاليم الغنية والتي تتمتع بوجود ثروات طبيعية من المواد الخام أو الثروات الحيوانية أو الأراضي الخصبة والموارد المائية. لا ينكر أحد أن العوامل الإقتصادية والفقر قد تكون أهم عوامل الصراع فهي صراع على البقاء وهذا النوع من الصراعات هو الأكثر دموية على الإطلاق، فهل القارة الأفريقية هي بالفعل فقيرة في الموارد لدرجة أن يموت فيها البشر جوعا وفقرا ومرضا ؟
أفريقيا تنتج 78% من المنتج العالمي من الألماس وتملك حوالي 27% من الإحتياطي العالمي من الحديد 72.5 % من إنتاج الذهب العالمي، تضم دول من أكثر الدول إنتاجا للبترول في العالم منها نيجيريا وليبيا والجابون والجزائر والصومال، أفريقيا غنية باليورانيوم والنحاس والقصدير والبلاتين، أفريقيا لديها ثروة من الأحجار الكريمة الأروع والأكثر تفردا على وجه الأرض من عقيق وزبرجد وفيروز ، في أفريقيا تتمتع دولة مثل السودان بمساحات شاسعة من الأراضي الخصبة ولديها ثروة حيوانية تحتاج للرعاية والتنمية ، أفريقيا لديها مساحات فريدة من الغابات الإستوائية وهناك العديد من الثروات الظاهرة والمخفية تجعل من غير المنطقي وصول القارة الأفريقية لهذه الحالة المأساوية من الفقر والجهل والمرض والصراعات التي تصل حد الإبادة الجماعية ، ولكن إذا نظرنا للحكومات المهيمنة على الدول الأفريقية وحجم ما أستشرى فيها من فساد ، وإذا بحثنا عن المستفيد الحقيقي من الثروات والخامات الأفريقية والذي يستنفد ثرواتهم مقابل توريد أسلحته لهم والتي يفنون بها بعضهم البعض سيصبح كل شئ فجأه مفهوم ومنطقي بل أن الأمر يصبح  نموذج عن مدى الإنهيار الذي قد تصل إليه دول الشرق الأوسط إذا سارت على نفس النهج - وهي وحتى الأن تسير بالفعل - فنفس الوسائل التي أتبعها الإستعمار الغربي في أفريقيا تستخدم في دول الشرق الأوسط . فساد حكومات ونهب منظم يؤدي بالضرورة لتفشي البطالة وأنتشار الفقر ومع تأجيج الصراعات الطائفية والعرقية تتحول المطالب المشروعة في الحياة والوجود لحرب تهدف لإبادة الأخر وإخراجه من حيز الوجود بينما يستمر نزيف الثروات الطبيعية في الخروج لخدمة السيد الغربي ويستمر أصحاب الثروات في الإعتماد على ما ينتجه هذا السيد ويجود به من حين لأخر نظير الولاء والتبعيه، بل أنه كتب على هذه البلاد المبتلاه أن تعاني أيضا من نتاج التلوث الناتج عن الصناعات الثقيلة التي تساهم في تقوية شوكة الغرب وتزيد في عزتهم وهيمنتهم فهذا التلوث والذي ساهم كثيرا في الإحترار العالمي سيؤثر بشكل كبير على ملايين البشر وخاصة الذين يعيشون على السواحل وهم يمثلون نسبة كبيرة من البشر تقدر بحوالي 10% من إجمالي سكان الكوكب فمستوى سطح البحر في إرتفاع مستمر والأعاصير المدارية إزدادت قوة والتربة تفقد رطوبتها بفعل الحرارة والجليد يذوب في الأقطاب والتقديرات الحالية تؤكد أن الكثير من المناطق الأفريقية تعاني من الجفاف مما يضطر الكثير من السكان للنزوح لمناطق أخرى فيصبح هؤلاء في حالة فرار دائم من عدو قد يكون الجفاف وقد يكون الصراعات المسلحة .
وكأن هؤلاء تم تغييبهم ودفعهم إلى سباق نحو الفناء ، متى يستفيق هؤلاء المغيبون ويدركون أن الحل السحري هو في شيئين "محاربة الفساد" و "التنمية" فالموارد تكفي الجميع ولكن أن نعرف كيف نديرها هذا هو الذي سيحدد مصيرنا على هذا الكوكب الذي لاقى أهوال في مئة عام أكثر مما لاقى في تاريخه الحافل الموغل في القدم.

الجمعة، 29 أبريل 2011

الرئيس المزمن

عندما يصاب الجسد بأحد الأمراض المزمنة ، تتغير الكثير من الأشياء فهي أمراض تتسلل للجسد تضعفه وتنهكه وتعوق الإنسان عن ممارسة حياته بالشكل المعتاد ويصبح المريض مضطرا للتوائم مع المرض ومتابعة تطوره وتقدمه ، ومعظم الأمراض المزمنة مثل السكر والضغط وأمراض القلب كلما طال بها الزمن كلما تأثرت بها أعضاء الجسم المختلفه وتطورت حالة المرض وحتى تؤدي في النهاية مع المضاعفات العديدة للموت. وتقدر منظمة الصحة العالمية نسبة الوفيات بتأثير الأمراض المزمنة بحوالي 60% من النسبة الكلية للوفيات سنويا.
فبكم يا ترى تقدر نسبة القتلى والجرحى من ضحايا الرؤساء المزمنين والذين أبتليت بهم بلادنا العربية وأصبحوا تماما كما المرض المزمن يصيبون الدولة بالضعف والوهن ويبسطون ظلالهم على حياة البسطاء والكادحين فيزيدونها رهقا وألما ويصعبون عليهم حياتهم؟ فكما تسوء حالة المريض بطول بقاء المرض المزمن ويستحيل علاج تأثيراته المرضية كلما تقدم به الزمن فكذلك يكون الحاكم المزمن كلما طال بقاءه زادت حالة البلاد سوءً وأصبح من الصعب التخلص منه ومن تأثيراته المميته على البلاد والعباد ، فزين العابدين بن علي والذي أصاب تونس لثلاثة وعشرين عاما راح ضحيته 219 شخص هم شهداء ثورة الياسمين - والعهده على مجلس حقوق الإنسان - لا يشمل ذلك ضحاياه في المنفى وفي المعتقلات وغير ذلك ممن سحقت أحلامهم وتضررت حياتهم بسبب الفساد الذي أستشرى وكما هو الحال مع  البو عزيزي والذي أطلق إنتحاره حرقا شرارة الثورة . وكان رحيل بن علي التاريخي الغير مسبوق في 14 يناير من العام الجاري.
تلاه رئيس مزمن أطول عمرا وأكثر مكوثا في كرسي الرئاسة وتأثيره المرضي أصاب اعضاء ومفاصل الدولة في مقتل فأنتشر الفساد بشكل غير مسبوق وضعفت مناعة الدولة فأنتشر في جسدها الطفيليات التي أمتصت خيراتها ولم يبقى لأبنائها إلا الثورة فخرجوا غير عابئين بالموت وبأجهزته القمعية التي طالما سامتهم سوء العذاب وكان وجه الثورة فيها هو خالد سعيد أحد ضحايا التعذيب والذي لم يكن عليه حساب أو رقابه في ظل قانون الطوارئ . تمكنت الثورة المصرية المجيدة من خلع الرئيس المزمن حسني مبارك والذي بقى في كرسي الحكم لثلاثين عاما وأوشك أن يورث الجسد المريض لإبنه لولا أن تداركت عناية الله أهل مصر، وقدرت أعداد شهداء الثورة في مصر وحسب تقرير إتحاد الأطباء العرب قرابة الألف شهيد وقرابة الستة ألاف جريح بالطبع لم يكونوا وحدهم ضحايا الرئيس المزمن فقد سبقهم ألاف مؤلفه من ضحايا الفساد والإفقار المتعمد في العبارات والقطارات وقوارب الموت وحوادث الطرق وضحايا المسرطنات وسوء التغذية ونقص الرعاية الصحية ... وجرائم لا تعد ولا تحصى في حق مصر وشعبها حتى تمكن الشعب من خلعه أخيرا في 11 فبراير من العام الجاري ومازالت مصر في دور النقاهة والذي يحتاج الكثير من الإنتباه والرعاية والإهتمام.
ثم يأتي دور رئيس أخر أصاب بلاده لثلاثة وثلاثين عاما جعلها نموذج للفقر والمعاناة وأستخدم مع شعبه كل وسائل المماطلة ولعب بكل الأوراق محاولا إطالة فترة بقاءه ومكوثه على كرسي الحكم ولم يمانع في قتل وإصابة أعداد كبيرة وحتى ضرب المتظاهرين بكل الأسلحة القمعية المعروفة والمجهولة ، المسموحة والممنوعة ، وهو لا يمانع في إثارة حرب أهلية أو تقسيم بلاده فما يهم هو فقط بقاءه وحماية مصالح أبناءه وأتباعه، ومازال الشعب اليمني يحاول أن يعالج مرضه المزمن ويصرخ كل ساعة وكل يوم "إرحل يا علي" عسى أن يستجيب قريبا ويفهم ويترك اليمن يلملم جراحه ويعوض ما فاته.
وأخيرا نصل للمرض في مراحله المتقدمه المستعصية على العلاج والذي أستمر بقاءه لأكثر من أربعين عاما حيث يكون قد توغل وتمكن من جسد الدولة بدرجه تجعله يصر على البقاء وحتى هلاك هذا الجسد الذي تسبب هو في إمراضه ، هو على أستعداد لإستخدام أقصى درجات القوة وحتى الإبادة الجماعية دون أن يهتز له جفن، أصبحت الصورة دموية بشكل غير معقول وغير إنساني في ليبيا والتي أصابها الرئيس المزمن من أكثر من إثنين وأربعين سنة ولم يقبل أن يطالب الشعب وبعد كل هذه السنوات بحريته وحقوقه فلم يتورع عن قصف المدن والمدنيين ليلا ونهارا بالأسلحة الثقيلة ، وأصاب بلاده بالدمار الشامل ومازال مصرا على البقاء وحتى أخر ليبي ، والصورة لا تختلف كثيرا في سوريا والتي أنتقل فيها الحكم وراثيا ليبقى أصحاب المصالح في كراسيهم وليتم قهر وقمع كل من تسول له نفسه لرفع رأسه أو المطالبه بحقوقه الأدمية فالمرض ليس فقط مزمن ولكنه مزمن وراثي.
لم يبقى إلا أن نتمنى لبلادنا التي مازالت تعاني من مرض الرئيس المزمن بالشفاء العاجل دون إراقة المزيد من الدماء.

الأربعاء، 27 أبريل 2011

ألحان ثورية

لطالما تعجبت من عشق أصدقائي أصحاب الروح الثورية لأغنيات الشيخ إمام، وبائت محاولاتي في أستساغة نغمات أغنياته القديمة بالفشل فقد أعتادت أذاننا نوعيات أخرى من الموسيقى ذات إيقاعات تتميز بسرعات أكبر ونغمات أعلى من أغنيات ذلك العصر وغزت التكنولوجيا الحديثة في مجال الصوتيات والإلكترونيات أغلب ما نسمعه من مقطوعات وأغنيات، ثم قامت الثورات وكأنها قامت على كل ما هو مصطنع ومفتعل وكل ما هو ليس خارج من تراب الوطن، وأنبعثت معها أغاني إمام الثورية وفجأة أصبحت بالنسبة لي منطقية ومستساغة فهي أصيلة ومن صميم الروح المصرية وتعرف كيف تثير الحماس في النفوس وتحركها  

 يا مصر قومي وشدي الحيل  ::  كل اللي تتمــــــنيه عنـــدي
لا القهر يطويني ولا الليـــــل :: آمان آمان آمان بيرم أفندي
  رافعــين جباه حرة شريفــــة ::  باسطين أيادي تأدي الفرض
 ناقصـــين مــؤذن وخليفـــة  :: ونور ما بين السما والأرض
      يا مصر عودي زي زمــــان ::  ندهة من الجامعة وحلوان      
يا مصـــر عــودي زي زمان :: تعصــــي العــدو وتعــاندي

عاد الشباب يبحث عن الكلمة التي تعبر عنه، عن شعراء تغنوا بحب مصر وصاغوا مشاعره نحو الوطن في كلمات خالدة بليغة فها هي أم كلثوم تشدو برائعة إبراهيم ناجي
 
أجل إن ذا يوم لمن يفتدي مصرا
فمصر هي المحراب والجنة الكبرى
حلفنا نولي وجهنا شطر حبها
و نبذل فيه الصبر و الجهد و العمرا
سلاماً شباب النيل في كل موقف
على الدهر يجني المجد للنيل و الفخرا
تعالوا فقد حانت أمور عظيمة
فلا كان منا غافل يصم العصرا
تعالوا نقل للصعب أهلاً فإننا
شباب ألفنا الصعب و المطلب الوعرا
شباب إذا نامت عيون فإننا
بكرنا بكور الطير نستقبل الفجرا
شباب نزلنا حومة المجد كلنا
و من يغتدي للنصر ينتزع النصرا
 
عندما عادت أغاني العزة والمجد تصدح بما في نفوس الثوار جعلتنا نتسائل كيف حرمنا حتى من أغنيات في حب الوطن تهز القلوب وتدغدغ المشاعر وتحول الشعراء والملحنين في عصور القهر والإستبداد لمتسلقين في منظومة النفاق التي تتغنى بمناقب الرئيس الملهم الذي أختصر الوطن في ذاته.
كيف يتأثر الإنسان بالموسيقى ؟ ما هو سرها الذي يجعل حتى الطفل في رحم أمه يتأثر بها ، كيف يمكن لنوتات صغيرة أن تبهجنا وتبكينا أو تشعرنا بالحماسة والفخر أو الحزن والألم؟ ولماذا تركت الحضارات القديمة والموغلة في القدم ألات موسيقية ورسومات جدارية تمثل العزف وطرب المستمعين وتمايلهم مع النغمات ؟
كيف أستطاعت الموسيقى أن تؤثر في الجموع وتوطد العلاقات الإجتماعية حيث يجتمع الأصدقاء حولها في جلسات السمر والسهر؟
حيرت الموسيقى وتأثيرها الساحر الباحثين والعلماء فبدراسة تأثيرها على المخ لم يستطيعوا تحديد مواقع خاصة في المخ تثار أو تنشط بصفة خاصة عند سماع الموسيقى فالعديد من مناطق المخ تنشط في وقت واحد عند الإستماع للموسيقى وإن كان من الملاحظ أن هناك تغير في المناطق التي تتفاعل معها كلما زادت خبرة ودراسة المستمع  وبالرغم من ذلك التنبيه القوي الذي يثيره السماع للموسيقى في المخ فإن العلماء يقولون أن الأذن تحديدا تحتوي على أقل عدد من الخلايا الحسية إذا قارناها بالأعضاء الحسية الأخري كالعين مثلا فبينما يوجد في الأذن 3500 خلية داخلية من شعيرات الحس السمعي فيوجد بالمقابل مائة مليون مستقبلة ضوئية في العين ولكن الإستماع للموسيقى ينبه الدماغ لتشغيل عدد من المناطق تقع خارج القشرة السمعية والتي تحوي مناطق تكون عادة منشغلة بنوعيات أخرى من التفكير فتجعل تأثر الإنسان بالموسيقى يعتمد على خبراته الخاصة البصرية واللمسية والعاطفية في وقت الإستماع للجملة الموسيقية، كما تؤكد الدراسات أن الأشخاص الذين يتلقون تدريبات موسيقية مكثفة تزيد لديهم بدرجة كبيرة الخلايا التي تستجيب للنغمات الموسيقية خاصة في المناطق السمعية في الجزء الأيسر من المخ بنسبة قد تصل ل 25% عنه في الأشخاص الغير مدربين، وتزداد النسبة كلما بدأ الإنسان في التدرب على الموسيقى من سن صغيرة .
وفي دراسة أجراها باحثين بجامعة كوستانز بألمانيا على عازفي الكمان وجد العلماء أن المناطق الدماغية التي تستقبل الإشارات العصبية من اليد اليسرى من الأصابع الأربعة "السبابة وحتى الخنصر" تكون أكبر كثيرا من الموجودة في غير عازفي الألات الوترية، كما أن إستجابة المخ لصوت البوق عند عازفي البوق تختلف عن إستجابته للأصوات الأخرى. 
وفي النهاية تؤكد الأبحاث أنه لا أحد يمكن إعتباره موسيقي بالفطرة ولكن التدريب والتعليم يجعل المخ يتنبه ويتكيف دائما مع ما يصله من خبرات وبيانات. قد يكون للموسيقى دور كبير في تحفيز الهمم وإثارة الحماسة. 
ولذلك .. نطالب بالمزيد من الأغنيات الحماسية الثورية التي تمجد الوطن ولا تتعبد في محراب الحاكم. 

الثلاثاء، 19 أبريل 2011

لأنه رجل

لأنه رجل فالكون خلق من أجله وما في الكون مسخر لخدمته ، لأنه رجل فهو الأقوى والأحكم يقيم الحروب ويصنع الصراعات ويهدر دماء الخصوم، لأنه رجل فالأمر له يقود الرعية ويوجه الدفة حيث أراد وكيفما أراد ولا يجب أن يبدي أحد إعــتراض حتــى لو ســار ضد التيــار وأوردهـم مـوارد الخــطر.
 في كل رجل هناك ديكتاتور كامن يتحين الفرصة للظهور ويعلن عن وجوده في كل موقف يتيح له ذلك ، ويصنع إمبراطوريته الخاصة والتي قد تضم فقط عائلته أو من هم تحت إدارته وكلما علت به المناصب وزادت أعداد الرعايا والخاضعين لسيطرته علا به غروره وهام في أحلام القوة والسيادة والسيطرة. 
بالرغم من المتغيرات الإجتماعية الكبيرة التي مرت بها دول العالم بلا تمييز وبالرغم من التطور الذي يطال جميع مناحي الحياة تقريبا وبالرغم من أن المرأة اليوم أصبحت تماثله وتتفوق عليه في التعليم والعمل وقد تكون حظوظها أفضل في نيل المناصب وفرص العمل إلا أن أدم لم يتغير ومازال في أعماقه يحمل ميراث أجداده ويعاني نفس عقدة التفوق الذكوري.
ولا ينكر أحد أن الأمر أكثر وضوحا وتأثيرا في المجتمعات الشرقية عنه في المجتمعات الغربية ولا يعني ذلك إنتفاء وجوده في المجتمعات الغربية بعدة صور تصل للعنف الجسدي والإستغلال الوظيفي وإن كان ذلك عقوبته هناك كبيرة في حالة إثباته. 
أما في المجتمعات الشرقية فالأمر ينمو مع الطفل الوليد ومنذ أن يفتح عينيه لأول مرة ويرى ضياء الدنيا فإذا كان ولد غمرت السعادة الوجوه وأنهالت التبريكات والتهاني على الوالدين الفخورين بإنجازهما العظيم، وإن كانت فتاة فالأمر يختلف ما بين تهنئة واجبة حتى يصل لما يشبه التعازي خاصة في حالة أن يكون قد سبقها فتيات أخريات دون أن يكون بينهن صبي، يتطور الأمر كل يوم وكل لحظة فالكثير من الحريات والخدمات التي تقدم للصبي لا تتمتع بها الفتاة فهي تقوم بواجباتها المنزلية وتهتم بدراستها وتتعرض للكثير من الإنتقادات في كل حركة وكل كلمة وتلاقي العديد من التوجيهات وحتى من إخوانها الذكور الأصغر سنا دون أن يجد الوالدين أي غضاضة في ذلك بينما لا يطلب من الفتي أكثر من الإهتمام بدراسته وتحاول الأسرة بكل الطرق مساعدته ودفعه للنجاح بكل الطرق المتاحة، تنتقل الفتاة لبيت زوجها ولا تختلف المعاملة كثيرا وبالرغم من كونها تعلمت مثله وتعمل مثله وفي الكثير من الأحيان يكون دخلها أعلى إلا أنه لا يفكر في الكثير من الأحيان في مساعدتها في رعاية الأطفال أو الإهتمام بالمنزل فهذا واجبها وحدها و"كل النساء تفعل ذلك!" بحسب قول بعض الذكور، بل أنها مطالبة بتحمل عصبيته ونزواته وتنفيذ أوامره والتي قد تخلو في بعض الأحيان من المنطقية، ودائما هي المطالبة بالحفاظ على بيتها وتحمل زوجها تحت كل الظروف وهي الملومة في حالة فشلت علاقتها الزوجية لأي سبب من الأسباب.
بل أن التفرقة تصل مداها في بعض الدول والتي تبيح عمليات إختيار جنس الجنين أو التي تسمح بإجهاض الإناث وخاصة في دول مثل الهند والصين والتي أختلت فيها التركيبة السكانية بسبب مثل هذه الإجراءات المتطرفة.
كل هذه المميزات والفوارق يصنعها المجتمع وتصنعها الأفكار الموروثة ولا يصنعها كروموسوم Y الصغير المتعدد الأشكال الفقير في الجينات والذي يميز الذكر عن الأنثى،  ويصنع الإختلاف الهرموني والتشريحي بينهما. 
أعلم أن الحكماء والعلماء والقادة العظام كان غالبيتهم العظمى من الرجال وأن العلم الحديث يؤكد وجود إختلافات بين حجم المخ وأسلوب عمله وتعامله مع البيانات بين الذكر والأنثي إلا أن ذلك لا يبيح لجميع الرجال الحصول على ضمان بالتفوق أو التمتع بمزايا خاصة وإنما الساحة مفتوحة للأكثر كفاءة والأكثر قدرة على التكيف والعمل فلتثبت قدرتك بالعمل والتفوق وتحقق ذاتك "أنت" يا أدم ولا تعتمد على تاريخ أسلافك أو محصلة ما قدمه بنو جنســك.