الثلاثاء، 23 فبراير 2016

خدش حياء مجتمع فاقد للحياء


لم أكن قد سمعت من قبل بالكاتب أحمد ناجي، وحتى نشرت الصحف خبر الحكم بالسجن عليه لعامين بتهمة "خدش الحياء"، وذلك بعد قرار النيابة باستئناف القضية، والتي حكم فيها مبدئيًا ببرائة الكاتب.

واستوقفتني كثيرا التهمة المنسوبة للكاتب، فما الذي يمكن أن يخدش الحياء في مجتمع احتل المركز الأول على مستوى العالم في مشاهدة المواقع الاباحية مع العلم بأن سرعة الانترنت لديه هي الأقل على الاطلاق، واحتل المركز الثاني في التحرش بعد أفغانستان، ولم يستطع منع برنامج مثير للغثيان مثل "وش السعد" وبنظرة فاحصة على التعليقات التي يتركها معظم مستخدمي الانترنت على الصحف في مواقع التواصل الاجتماعي سيدهشك درجة فجاجتها واغراقها في الاباحية.

وكمحاولة لفهم حجم الجريمة التي استحقت أن يحكم على صاحبها بالسجن عامين، قمت بتحميل الرواية وقراءتها وبالرغم من وصفه لبعض المشاهد الجنسية إلا أن كتب الأدب عامرة بمثل هذه الأوصاف، والكثير من الكتب التي تذخر بها المكتبة العربية تحمل مثل هذه المشاهد، وبنظرة الى كتب مثل الف ليلة وليلة، أو كتاب الوشاح في فوائد النكاح ستعرف أن الأمر معتاد في الكتابة الأدبية على مر العصور وليس دخيلا على الكتاب العرب، والكثير من الشعراء قديمًا وحديثًا لم يتورعوا عن الكتابة بتعبيرات يعتبرها المجتمع خادشة للحياء منهم نزار قباني الذي تجوب أشعاره الأفاق، ومنهم  عبد القادر الجنابي ومنهم حسين مردان، وحتى كبار الكتاب من غير العرب مثل الكاتب البرازيلي الأشهر باولو كويلو والذي ترجمت كتبه إلى معظم لغات العالم، وتنتشر في مصر بأكثر من لغة في المكتبات وعلى الأرصفة،  يوجد له بعض الكتابات التي تتحدث عن الجنس وبشكل مباشر مثل ١١ دقيقة، لم يمنعها أحد او يعترض عليها أحد، ولا أعرف أديبًا من قبل تعرض للسجن بسبب هذا النوع من الكتابات.

ولأننا اعتدنا في بلادنا على سجناء الرأي، والذين ينقسمون إلى قسمين لا ثالث لهما، المتطاولون على الذات الإلهية، والمتطاولون على الذات الحاكمة، فكان لزامًا عليّ أن أبحث بين طيات كتابه عن أحد المحرمّين، ووجدت فيه ما فيه من إيماءات "سياسية" أرجح أنها هي التي ارسلته إلى السجن وليس الايماءات "الجنسية" بحسب المعلن، ففي أحد مقاطعه ينتقد حكم الجنرال الذي كمم الأفواه، وفي مقطع آخر يصف الشرطي بالفأر الأسود، بعد اعتداء دورية شرطية على كشك وصاحبه العجوز المريض.

والكتاب كله يتحدث عن ما وصلت إليه القاهرة من مستوى غير محتمل في التلوث والعشوائية والزحام والفقر وصعوبة الحصول على الفرص، يتحدث عن سلوكيات الناس التي تربت في وسط هذا العذاب اليومي والصراع من أجل البقاء، يقول لك أن الناس في هذه المدينة فقدت القدرة على الإبتسام، وحتى الإبتسامة التي يقدمها لك احدهم ينتظر في مقابلها مقابل مادي، يسهب في الحديث عن الوسائل التي يغرق فيها الشباب نفسه لينسى للحظات كيف تدهس هذه المدينة أحلامه وآدميته بلا رحمة، يستخدم في بعض الأحيان الفاظ سوقية خارجة، ولكن هي بالضبط التي تسمعها في الشارع وتقرأها على الإنترنت وأصبحت حتى الفتيات لا تتحرج من قولها.

وأتعجب حقًا من الهجوم الجماهيري على الكاتب حتى أن البعض لم يتورع عن المطالبة بجلده وإعدامه ليكون عبرة لمن يعتبر، إذا كنتم على هذا القدر من الأدب والحياء فامنعوا نشر الكتب لا تحبسوا الكاتب، إذا كنتم مجتمع مثالي طاهر لا يعرف الإباحية امنعوا نشر هذه الكتب، إذا كانت الكلمات قد خدشت حيائكم امنعوا نشر هذه الكتب.

أيها الأنقياء الذين لا تجدون في كل ما يحيط بكم غير كلمات نشرت في كتاب مغمور لتخدش حيائكم، الفقر خادش للحياء، الفساد خادش للحياء، القتل تحت التعذيب خادش للحياء، الإخفاء القسري خادش للحياء، القتل خارج القانون خادش للحياء، المسرطنات التي تدخل أبدانكم، لحوم الحمير، سد النهضة، القمامة، العشوائية، مستوى التعليم، مستوى الرعاية الصحية، خنقكم المستمر بالغلاء والجمارك والضرائب، الطبقية، التلوث، إنهيار البنية التحتية، الإحتكار، الإعلان عن مشاريع وهمية، المؤبد لطفل في الرابعة، سجين التيشيرت، سياسة الإفلات من العقاب، إخراس أي صوت معارض، الإعلام العاهر، كل هذا لم يخدش حيائكم!

الخميس، 18 فبراير 2016

شيطنة الآخر وقصور العقلية الأمنية


 

تتشابه الأساليب الأمنية التي تتبعها حكومات الاستبداد العربية بشكل مثير للدهشة، فكلهم يبسطون سيطرتهم على الإعلام، وينتهجون سياسة تكميم الأفواه، وكلهم يرفضون الانصياع للرغبات الشعبية مهما كانت منطقية ومشروعة، او حتى لن تكلفهم او تؤثر على سلطتهم، بل بلغ الأمر ببعض الحكومات لاتباع ما هو عكس الإرادة الشعبية على طول الخط، في اكبر وادق الأمور على حد سواء.

واكثر ما يلفت الانتباه، ما يتبعه هؤلاء من أسلوب شيطنة المعارضين، ولا يختلف هذا باختلاف اسم الدولة الاستبدادية، فعندما قامت الثورة في البحرين، وبالرغم من المطالب المشروعة التي رفعها المحتجون، وبالرغم من احقيتهم باعتبارهم من بني الانسان في انتخاب من يمثلهم، وفي وجود شفافية في توزيع المنح الدراسية والوظائف والثروات، الا ان السلطات البحرينية كثفت حملتها الإعلامية باتجاه طائفي، وكالت للمحتجين الاتهامات بالتبعية لإيران، وبتنفيذ اجندات خارجية، وتناست حجم التمييز الذي يتعرض له هؤلاء مهما تفوق ابناءهم، وصعوبة حصولهم على الفرص في دولة تنتهج سياسة التمييز الطائفي ضدهم، وتُفضّل الأغراب على أبناء الدولة من الطائفة المغايرة لهم.

واستطاعت هذه الحملة الإعلامية التأثير في اشخاص من المفترض أن شغلهم الشاغل الكفاح من اجل الحرية والمساواة ونشر الديمقراطية، فهم يدعمون ثورة الشعب المصري والتونسي والسوري، ولكن عندما تذكر لهم الثورة البحرينية، تتغير مبادئهم من النقيض الى النقيض وتجدهم ينطقون بلسان الإعلام المضلل ويقولون لك بضمير مرتاح: هؤلاء عملاء إيران!

لا يختلف الأمر كثيرا في اليمن، فعدوتهم من اكبر الدول النفطية ويمكنها التأثير بشكل واسع على وسائل الإعلام في العديد من البلدان، واستطاعت الآلة الإعلامية التي تديرها السعودية أن تُشيطن جماعة الحوثي، حيث جعلت منهم الذراع الإيراني في المنطقة والمنفذ الأبرز للخطة التوسّعة "الأمريكية – الإيرانية" وبالرغم من تصنيفهم انفسهم كحلفاء للرئيس اليمني علي عبد الله صالح سابقا، وحتى انه لجأ الي السعودية  للعلاج بعد تعرضه لمحاولة اغتيال، اصبح الان وبعد ان انتقل الى صفوف الرافضين للاعتداء السعودي على الأراضي اليمنية، من الد الأعداء، ولم تتوقف حملات التشويه التي شنتها الآلة الإعلامية السعودية على جماعة الحوثي، بالرغم من انهم ومنذ بدأت احتجاجاتهم لم يطالبوا بأكثر من توزيع عادل للثروات، وهو مطلب مشروع في كل الشرائع الإنسانية اللهم الا شريعة الاستبداد، كما ان العلاقة "السعودية – الأمريكية" القوية والواضحة والتي أعربت عن قوتها ومتانتها في العديد من المواقف،  تجعل من الحديث عن مؤامرات واتفاقات "إيرانية – أمريكية"  نوع من الهزل لا يجب ان يمر على طفل صغير.

ولا يختلف الأمر عند قياس رد الفعل الشعبي في الكثير من الشعوب العربية، في الشأن اليمني، عندما تنادي بوقف الاعتداءات السعودية على الأراضي اليمنية، وتُظهر للناس التقارير الدولية التي تؤكد انهم يقصفون المدنيين بالأسلحة المحرمة، ومنها القنابل العنقودية، وتطالب هؤلاء المنصفين ان يدينوا الاعتداء السعودي الغير مشروع  على أراضي اليمن، تجد كثيرا منهم يترددون بحجة ان الوضع معقد وشائك وان الحوثيين ورائهم ما ورائهم من مخططات واجندات إيرانية، فلا داعي اذا لإدانة العدوان، وليموت المدنيين.

وبالطبع ليست السلطات في مصر بمعزل عن مثل هذه السياسات، فعندما خُلع الرئيس محمد مرسي واعتصم البعض في ميداني رابعة والنهضة، وبالرغم من ان معظم هؤلاء كانوا من البسطاء القادمين من عمق القرى معتقدين انهم يخدمون الإسلام، وليس لهم علاقة باي أيديولوجيا تنتهجها جماعة الإخوان المسلمين، ايدت أغلبية الشعب حرقهم احياء، بعد ان تأثروا بالحملة الإعلامية الممنهجة التي شنتها الحكومة المصرية ضدهم، باعتبارهم إرهابيين مخربين، وتمادت الحكومة المصرية في الصاق كل مشاكل الدولة وتداعيات الإهمال والفساد وغياب التخطيط بالإخوان، فالإخوان قاموا بسد بالوعات الإسكندرية لذلك غرقت الشوارع عند سقوط الأمطار، والاخوان يجمعون الدولار ويؤثرون على سعر الجنيه، وكل من يعترض على الفساد والبلطجة وسوء استخدام السلطة وارتفاع الأسعار اخوان حتى ولو كان اسمه "مينا" او "جورج".

وتستمر سياسة شيطنة المعارضين، لتلقي بظلالها على اي اعتراض تبديه فئة من الفئات على انتهاك حقوقها، فعندما تعرّض اطباء للضرب من قبل امناء شرطة بسبب رفضهم تزويرتقرير طبي يضخم من اصابة واحد منهم، وتكررت الحوادث من هذا النوع في عدة مستشفيات،  واتخذت نقابة الأطباء اجراءات منطقية لحماية المنتسبين لها وسط تأييد شعبي، قامت الحكومة المصرية بشن حملة تشويه اعلامية غير مسبوقة عليهم بشكل مثير للسخرية، فطبيب يدير شبكة دعارة، وطبيب يسرق خصية مواطن، وطبيب يستأصل نصف كبد ونصف طحال صديقه عند قيامه بعمل جراحة تدبيس معدة له، وطبيب يتزعم عصابة تقوم بجمع الدولارات لضرب الاقتصاد المصري، والاخبار من هذا النوع والتي طفت على السطح فجأة اكثر من الحصر، فاقبلوا يا شعبنا العزيز بضرب الأطباء بالأحذية طالما انهم سيئون مهملون  استغلاليون فاسدون.

لقد ساهم هذا الاسلوب بشكل كبير في تغيير الشخصية المصرية من كثرة ما تم ممارسته على الناس في البلاد من تغييب للوعي، فأصبح الجميع مدان واصبح الجميع يستحق ما يناله من تنكيل واهدار للحقوق، 6 ابريل، اشتراكيون ثوريون، شباب 25 يناير، البرادعي، باسم يوسف، حتى امرأة طالبت بحقها في عدم ركوب الرجال عربة السيدات في مترو الانفاق، وتعرضت للضرب من امين شرطة لم يعجبه ذلك، لم يعترض احدا ممن حضروا الواقعة على ضربها، وانما دفعوها دفعا لخارج عربة المترو لتنال ما تستحقه – من وجهة نظرهم – من تنكيل على مطالبتها بحق من حقوقها، او اخرى يتحرش بها أمين شرطة بشكل فج فلا يتدخل احد، ويتركونها تواجه مسلح يعتبر نفسه فوق القانون، حتى حضر زوجها وخلصها من براثن هذا الغير أمين، او سيدة تتعرض لانتهاك ممنهج لحياتها بسبب فضحها للفساد، فيشارك الجميع في ايذاءها ولا تجد لها نصيرا، ومئات الشباب من الطلبة الجامعيين يتعرضون للاختفاء القسري، ولا يحرك احد ساكنا، طفل يقضي افضل سنوات حياته مسجوناً لارتدائه قميص كُتب عليه "وطن بلا تعذيب" وبالرغم من مطالبة كل المنظمات الحقوقية باطلاق سراحه الا انه يتم تجديد حبسه شهور تليها شهور، اختفاء كامل لأي اثر لمعاني على شاكلة، النخوة والشهامة والرجولة من معظم افراد المجتمع، لا يعتقد احد انه معرّض في اي لحظة لأن يُمَارس عليه ظلم من هذا النوع الذي يدعمه، أو في افضل الحالات لا يدينه.

ولا أجد في النهاية ابلغ من مقولة القس الألماني مارتن مويلر المعبرة ببلاغة شديدة عن الحقبة النازية لتعبر عما اردت قوله، حيث قال:

"عندما قبضوا على الشيوعيين لم احتج، فلم أكن شيوعيا، وعندما قبضوا على الاشتراكيين والنقابيين لم احتج، فلم اكن ايا منهما، وعندما قبضوا على اليهود لم احتج، فلم اكن يهوديا، وعندما أتوا للقبض عليّ لم يكن قد تبقى احد ليحتج على ذلك!"

الثلاثاء، 29 ديسمبر 2015

فياض ورائف

في أوطاننا فقط يمكن للكلمة ان تقتلك وتجلدك، في أوطاننا فقط تحكم المحاكم بالشبهة ويسمحون لأنفسهم بالتفتيش في الضمائر
ودائما ما يلفت الأنظار لأصحاب الفكر ثلة من الوشاة الحاقدين والذين يعرفون فقر موهبتهم وقصر قامتهم الى جوار هؤلاء العمالقة، والذين يكون لديهم بكل أسف قدرة على النفاذ لأهل الرأي والحل والربط، فتكون وشايتهم مؤثرة وأحيانا قاتلة للضحية الذي كانت جريمته الوحيدة هي إعمال العقل.
لا يخفى على أحد محنة الفيلسوف العبقري ابن رشد الذي تعرض لكل أصناف الترهيب وطرد وأحرقت كتاباته واتهم بالكفر فكيف يفند أقوال إمامهم الذي أقنعهم بأن الكرة الأرضية معلقة بين قرني ثور!
والتاريخ حافل منذ القدم بهؤلاء الذين راحوا ضحية فكرهم الصحيح الذي اثبت صوابه فيما بعد، وكان دائما ألد أعداء اصحاب الفكر والعلم هم مدعون التدين الذين رأوا في التحليل العلمي والبحث هدما لعروشهم التي أقاموها على أساس من الجهل وبدعم من الجهلاء.
يطالعنا التاريخ بحادثة سجن ونفي أنكساجوراس الذي قال بأن الكواكب ليسوا بآلهة وأن الشمس كرة من المعدن المتوهج مما يتنافى مع العقيدة الأثينية في ذلك الوقت، مما أثار حفيظة الكهنة فكفروه وحكم عليه بالإعدام ثم تم تخفيف الحكم والاكتفاء بنفيه من البلاد.
ولقى سقراط حتفه بنفس الأساليب ولم يختلف مصير عالمة الرياضيات هيباتيا والتي كانت تدرس فلسفة أرسطو في وجود أسقف يكره العلماء والمفكرين، والقول بكفرهم وسط العامة مما دفع الناس دفعا وبعد أن قام بغسيل مخ لهم بالهجوم عليها وتمزيق جسدها عارية وتركها للكلاب الجائعة تنهشها.
والكل في عالمنا الإسلامي يعرف بمأساة الحلاج التي صيغت فيها عشرات الكتب، ولم يكن حظ السهروردي بأفضل منه حيث لاقى حتفه بنفس التهمة الأبدية الخالدة "الكفر والزندقة".
وليس مفكري عصرنا بأوفر حظا من هؤلاء ولا شرطة الفكر بأفضل حلا، فكم من مفكر تم تكفيره وقتله وانتهاك حياته وتشويه سمعته أو مقاضاته بسبب ما أعتبره البعض تطاولا على الذات الإلهية أو بمعنى أصح وأكثر وضوحا "تم ضبطه بتهمة اعمال العقل والتفكير خارج صندوقهم المظلم".
على سبيل المثال لا الحصر، ما واجهه الدكتور فرج فودة من اغتيال بسبب مطالبته بعد استخدام الدين في أغراض سياسية، وما تعرض له كاتبنا العظيم نجيب محفوظ حائز جائزة نوبل في الأدب من تكفير ومحاولة اغتيال بسبب تطويع البعض لنصوصه وتحميلها ما لا تحتمل، والهجمة الشرسة التي تعرض له عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين من تكفير واتهامات بازدراء الدين والمطالبة بمحاكمته، والدكتور نصر أبو زيد الذي اتهم أيضا بالكفر وتمت مقاضاته بدعوى للتفريق بينه وبين زوجته، حيث اضطر أخيرا لمغادرة البلاد الى هولندا.
وأخيرا وليس أخرا الأحكام التي صدرت على كلا من أشرف فياض ورائف بدوي بإعدام الأول وجلد وسجن الثاني لنفس الأسباب وبنفس المبررات.
وبمراجعة العقوبة الشرعية التي اتفق عليها شيوخ الإسلام عن حكم الردة، وجدت ان المتهم بالردة الذي ثبتت عليه ردته يستتاب لثلاثة أيام بلا ضغوط من أي نوع فإذا تراجع عن ما يعتبره هؤلاء كفرا لم يقام عليه الحد، ولا أعرف حقا من أين جاء المكفرون بأحكامهم ومن أي شريعة يستقون أفعالهم.
ومحاسبتك على النية والفكرة التي لم تخرج حيز التنفيذ، في أوطاننا فقط لا تختلف مع من هم أكبر منك حتى لا تزهق روحك بمقتضى قانون الأقوياء، في أوطاننا فقط من حق الكبار أن ينزعوا عنك ديانتك ووطنيتك ويتهمونك بالخيانة والإلحاد دون أسباب منطقية، في أوطاننا فقط لا يعترفون بالكناية والتورية والأساليب البلاغية الأخرى التي يتقنها كل من يستحق لقب شاعر أو أديب، في أوطاننا فقط توجد شرطة الفكر التي تعتقد أنها أعطيت تفويض إلهي بقتل من تعتبره خارج عن النص ماديا أو معنويا، لم يسلم أصحاب الفكر في بلاد العرب من المطاردة والتنكيل والتكفير، لم يسلم هؤلاء من حرق كتبهم ونفيهم وحتى قتلهم بأبشع وسائل القتل، ولا عجب ان تقترن هذه الأساليب بما وصلت اليه البلدان من مستوى موغل في التخلف والفساد وقرب أفول نجمهم، فعندما تنتشر الخرافة ويكرم الجهلاء ويحمل لواء الدين المتعصبين والمتزلفين للسلطان، ينتشر التكفير والقتل على النية.

رواية اورويل الخالدة 1984 واسقاطات على الحالة المصري

رواية جورج اورويل الخالدة 1984، هي من الروايات القليلة التي تصيب كل من يقرأها بحالة من الابهار والإعجاب، وذلك ليس فقط من قوة اللغة وجمال السرد، ولكن والأهم لما فيها من نظرة مستقبلية للأحداث وتحليل سياسي مبدع، يجعلك وبدون أن تتعمد تسقط كل ما جاء فيها على الأوضاع الحالية وأساليب الديكتاتوريات والأنظمة الإستبدادية في تغييب واستئناس الشعوب وكذلك في أساليب السيطرة على الجموع ونشر الرعب من أي محاولات إنقلابية على سلطة الأخ الأكبر، وكيف تدار الألة الإعلامية ليس من أجل نشر المعرفة والحقيقة وإنما على العكس من أجل تغييب الحقائق والعبث باللغة وتزوير التاريخ بما يفيد الحاكم الواحد ويعزز من مكانته لدى الجموع.
حتى الحقائق الأكثر منطقية يمكن العبث بها، ففي حوار بين اوبراين ووينستون يتهم اوبراين صديقه بأنه بطئ التعلم وعندها ينتحب ونستون ويقول كيف يمكنني أن اكذّب ما تراه عيني ان 2 + 2 = 4 فيجيبه اوبراين ان الناتج قد يكون 4 وقد يكون 5 أو 3 وأحيانا يساوي 3 و 4 و 5 في آن واحد.
أتذكر هنا تصريحات السادة الوزراء في عامنا هذا الذي أوشك على الإنتهاء، منها تصريح وزير الإتصالات عن الانترنت "سرعة الانترنت هاتبقى فووووو"، وتصريحات وزير السياحة بعد كارثة سقوط الطائرة الروسية "هانسد الخرم اللي انتوا قلقانين منه" ، أو تصريح وزير الشباب والرياضة خالد عبد العزيز الذي يقول فيه " مفيش بطالة وراتب الطفل في البقالة 3000 جنيه" أما التصرح الأكثر إثارة للتأمل فكان تصريح وزير البترول اللوزعي طارق الملا أن "أزمة البنزين إيحاء نفسي!!!!".
كذب عينيك ولا تفكر كثيراً ولا تشتكي، كل شئ متوفر ولا يوجد مشكلات، وإن وجد فهي فيك أنت، أنت كسول لا تحب العمل وأزمة المحروقات هي أوهام ينسجها لك عقلك المريض.
أما أروع ما قرأت في الرواية فهو محاولات الحزب الحاكم المنظمة لطمس اللغة وتجريدها من مزاياها وذلك بأساليب شيطانية، فهم يعمدون إلى تقليل عدد المفردات المستخدمة في الصحف ووسائل الاعلام، حتى أنهم يعمدون الى قتل عشرات المفردات يوميا حتى لا يجد الإنسان وسيلة للتعبير أو التفكير وبدلا من أن يكون التفكير مجرم يصبح غير ممكن من الأساس وبتعبير الكاتب "إننا نسلخ اللغة حتى العظام"، "كل مفهوم يحتاج إليه الناس سيتم التعبير عنه بكلمة واحدة محددة المعني وغير قابلة للتأويل .. أما معانيها الفرعية فيتم طمسها حتى تصبح طي النسيان " "الكلمات تتناقص عاما بعد عام .. كما يتضاءل مدى الوعي والإدراك شيئا فشيئا .. بل وحتى في الوقت الراهن ليس هنالك سبب أو عذر يبرر اقتراف جريمة الفكر .. لقد باتت المسألة مجرد انضباط ذاتي وضبط يفرضه المرء على واقعه .. وفي النهاية لن تكون هنالك حاجة حتى لذلك ." ثم يختتم الكاتب هذه الفقرة باستنتاجه المبدع "ستبلغ الثورة أوجها حينما تكتمل اللغة ويتم إتقانها!".
أليس هذا ما يحدث حولنا بالفعل، بنظرة سريعة وفاحصة على ما يبثه التلفاز من برامج، ستجد لغة هابطة خالية من أي جمال وأسلوب سوقي مثير للإشمئزاز ومقدمون لا يتمتعون بالحد الأدنى من المهارات اللغوية والحوارية وثقافتهم غاية في الضحالة والفقر.
لا يختلف الأمر عندما نحاول أن نتفحص الأفلام والمسلسلات المقدمة في عصرنا هذا، نفس الألفاظ السوقية نفس الهمجية لا تطرح فكرة ولا تقدم حتى قيم جمالية.
وفي حوار أخر بين وينستون واوبراين يتسائل اوبراين: "كيف يؤكد إنسان سلطته على إنسان آخر يا وينستون ؟"
فيجيبه وينستون ببساطة: "يجعله يقاسي الألم"
ثم يسترسل اوبراين في شرح ما فهمه من الإجابة فيؤكد أن الطاعة ليست كافية وأنه يجب ان يقاسي الإنسان الألم لتعرف هل هو ينصاع لإرادته هو أم إراداتك انت!
ويعرّف اوبراين لنا السلطة قائلاً: "إن السلطة هي إذلاله و إنزال الألم به، وهي أيضا تمزيق العقول البشرية إلى أشلاء ثم جمعها ثانية وصياغتها في قوالب جديدة من اختيارنا."
وفي النهاية يصل إلى استنتاج أكثر دقة حيث يصف عالمنا بأنه عكس اليوتوبيا وأن عالمنا لا مكان فيه سوى للخوف والغضب والإنتشاء بالنصر وإذلال الذات.
هل يختلف هذا كثيراً عمّا نراه حولنا من قتل تحت التعذيب واختفاء قسري وسجون لا تحمل القدر الأدنى من المواصفات اللائقة بالبشر، هل يختلف ذلك كثيراً عن سجن الصحفيين وإسكات أي صوت معارض أو حتى مفكر ومطاردته الى أقاصي الأرض وكيل التهم له بالخيانة والعمالة وحتى الكفر .... الخ
ويمضي بنا اورويل برحلة في فكر الديكتاتور فيقول: "إننا ندرك أنه ما من أحد يمسك بزمام السلطة وهو ينتوي التخلي عنها.
إن السلطة ليست وسيلة بل غاية، فالمرء لا يقيم حكما أستبداديا لحماية الثورة، وإنما يشعل الثورة لإقامة حكم استبدادي.
إن الهدف من الاضطهاد هو الأضطهاد، والهدف من التعذيب هو التعذيب وغاية السلطة هي السلطة."
ومرة أخرى لا تغيب كلماته عن الواقع المعاش حولنا، وحتى بعد ثورة أسست لحكم أكثر ديكتاتورية، يدور النقاش الآن بين الأعضاء "المنتخبين" - اذا جاز لنا هذا التعبير - حول مد مدة حكم الرئيس وبالتأكيد لن يمانع هؤلاء في جعل الرئاسة تمتد به حتى نهاية العمر.
الأنظمة الإستبدادية لا تريد منك فكرا او فهما وإنما تريد ولاءً فقط وهو ما يتم غرسه في الجنود فيطيعون الأوامر دون تردد ودون تفكير، وهنا يأتي التعريف المعجز للولاء "الولاء يعني إنعدام التفكير، بل إنعدام الحاجة للتفكير، الولاء هو عدم الوعي. "
إن حزب اورويل يصل في استبداده أن يزرع الميكروفونات في كل مكان ويضع كاميراته في كل شارع ويضع صورة الأخ الأكبر في كل ركن وعلى كل مبنى، ينظر اليك ويراقب ولائك، وحتى الحب أصبح محرما في شريعة الحزب فهو قد يؤثر على ولائك وأصبحت العلاقات هي خدمة يؤديها المواطن للحزب لينجب أطفال تقوم بخدمة الحزب، وغير ذلك فهو خيانة يعاقب عليها القانون.
هل يختلف ذلك كثيراً عن التسجيلات التي تبث بين الحين والأخر للمعارضين والغير مطيعين لتفضح حياتهم الخاصة وتبين للآخرين أن الجميع مراقب وأن الجميع تحت السيطرة وأن الذي سيخرج عن النص سيتم تحطيمه بشكل أو بآخر والقضاء عليه ما لم يعود الى حظيرة النظام.
أو كما قال وينستون: "لم يعد هناك مكان أمن سوى سنتيمترات معدودة في الجمجمة!"
وتنتهي الرواية

الثلاثاء، 28 مايو 2013

أنا لم ألوث مياه النيل

آه يا روح الأرض .. يا إكسير الحياة .. يا دمعات السماء التي تترقرق خيراً ووفرةً وخصباً ونماء .. يا من علمّت البشر الحكمة والصبر والعمل وصنعت حولك أرقى وأعرق الحضارات الإنسانية .. هل من أرضها من لا يعرف فضلك؟ .. هل من أرضها من لا يدين لك بالحياة؟ .. هل من أرضها من لا تجري في عروقه مجرى الدم وتسري في جسده مسرى الروح؟ ..

"-أنا لم أغضب والدى ..  
-أنا لم ألوث مياه النيل. 
-أنا لم أصد الماء فى وقت جريانه.
-أنا لم أنقص القياس، ولم اغش فى الكيل ولم أطفف فى الميزان .
-أنا لم اطرد الماشيه من مراعيها.
-أنا لم أتسبب فى بكاء أحد.
-أنا لم أحرم انسانا من حق له.
-أنا لم أختطف اللبن من فم رضيع .
-أنا لم أطفىء شعله فى وقت الحاجه أليها."
                                                       كتاب الموتى
 
هكذا قال الأولون .. من تعلموا منك العطاء وعرفوا فضلك .. من علموا أنّه لا حياة لهم بدونك ولا بقاء ولا رغد.. وهكذا كان من تلاهم على العهد والوعد باقون .. مهما ثرت ومهما ضننت .. فأنت الحياة قسيت أم حنوت .. 
في كل العصور لم يملك الناس الا العرفان والحب .. حاولوا تطويعك وعملوا جاهدين على نيل أقصى ما يستطيعون من خيراتك .. وكنت دائماً عند العهد بك .. لم تخلف ولم تخون .. حتى خانوا العهد .. احتكروك بوحوش أسمنتية واستراحات للخاصة منهم ..  حجبوا رؤياك الحبيبة عن أبنائك .. لوثوك بمخلفاتهم .. قتلوا فيك الحياة وتركوا الأرض عطشى لك .. أرض بلادي التي طالما أنبتت أجود وأروع ما تنبت الأرض .. وفلاح بلادي الذي يحمل في جيناته خبرة ألاف السنين .. نبت بلادي الذي اقتات منه أعداد لانهائية من بشر وحيوان وطير.. والأن لا يجد أبنائها ما يقيم أودهم!! .. هل كنا ندرك أن الأسوء قادم؟ .. أن يمتنع عنّا أحد روافدك فيزيد العطش ويمتد السرطان الأصفر فيطغى على الأرض الخضراء .. ولا تجد من ينطق أو يرفع صوتاً محتجاً أو رافضاً .. لا كلمة .. لا فعل .. لا قرار وكأن المصيبة ليست عامّة ولا هامّة .. وكأن من بيدهم الأمر معنيون بإحراق الأخضر واليابس وقطع موارد الحياة عن الجسد الواهن!!   
وحتى في أحلك الأوضاع لا تتوقف آلة أكاذيبهم عن العمل .. فهي الشئ الوحيد الذي مازال يعمل وبكفاءة منقطعة النظير .. كذب غبي مثل من يطلقه .. كذب يثير الغضب فكأنهم يتحدثون لشعب فاقد العقل والفهم .. يجمعون أن سد "النهضة"- وما أكثر ما سدت النهضة في وجوهنا من ابواب - لن يؤثر على البلاد!!! .. فإذا كان نقص 12 مليار متر مكعب من أصل 55 لن يؤثر مع ما في مصر من فقر مائي "حد الفقر المائي بحسب الأمم المتحدة ألف متر مكعب سنوياً للفرد .. ينال المواطن في مصر 640 متر مكعب سنوياً فقط".. وإذا كان خفض توليد الكهرباء بنسبة 30%  - مع ما في البلاد من أزمة حقيقية في الكهرباء - لن يؤثر .. ناهيك عن الأثار المدمرة الأخرى للثروة السمكية والملاحة النيلية .. كل هذا في عرفهم يمكن الغاءه بكذبة جديدة تضاف إلى سجل أكاذيبهم اللانهائي .. ماذا بقى فيكِ يا بلادي على حاله في عصر الانهيار والانحلال .. هي طعنة جديدة في الجسد الواهن .. ولكنها هذه المرّة .. قاتلة!

الثلاثاء، 5 فبراير 2013

وكأن شيئاً لم يكن

عامان مضا .. خفَت الحلم .. وبهت الأمل .. وعاد الغضب يعصف بالنفوس .. وكل يوم يتكشف لنا مدى سذاجتنا وفداحة أخطائنا .. وكأننا لم نكن أكثر من لعبة يتحكم بمشاعرها وتطلعاتها لاعب ماهر لتحقق له أهادفه ولا يهم بعدها أن تنكسر أو يلحق بها عطب لا براء منه.
وكأننا سقطنا في فجوة زمنية حيث الأيام تتكرر بحذافيرها .. نفس المطالب .. نفس الأساليب .. نفس الإتهامات .. نفس الوجوه تطفو حينا وتغيب حينا لتعاود الظهور مجددا .. وقطار الكوارث يسير في اتجاه واحد نحو الهاوية لا يلتفت للجثث التي سقطت تحت عجلاته .. ولا يعي السائق نفسه أن السقوط في الهاوية لن ينجو منه أحد لا راكب ولا قائد .. وحتى خيار القفز لم يعد متاحا بعد الأن .. فالحساب ولابد قادم وأقرب مما يتصور أحد. 
يطالب الناس بعدالة إجتماعية يتحقق فيها تكافؤ الفرص وينال كل مجتهد نصيبه على قدر جهده ومؤهلاته .. وتظل الأولوية للأهل والعشيرة وأصحاب الثقة دون أصحاب الكفاءة والمؤهلين .. وحتى أن مطلب كوضع حد أقصى للأجور لن يكلف خزانة الدولة شئ بل على العكس سيوفر الكثير ويشعر العاملين في نفس المكان بوجود شئ من العدل .. توضع في طريقه العراقيل لتظل نسبة محدودة من كل مؤسسة تستنزف خيراتها بلا أحقية. 
يطالب الناس بإصلاح أحوالهم الإقتصادية فترتفع أسعار السلع وتزيد الضرائب وتشتعل تكلفة الخدمات المتهالكة من الأساس.
يطالبون بإحترام أدميتهم ومعاملتهم كبشر فتتفنن الحكومة في إيجاد سبل لإنتهاك وإهدار كرامتهم وأدميتهم وأي قيمة إنسانية لديهم. 
يحتجون على الموت تحت التعذيب فتزيد معدلاته وتعلو وتيرته ولا أحد يُحاسب. 
يطالب الناس بعقاب المهمل والإهتمام بأعمال الصيانة والرقابة حفاظاً على الأرواح فتكثر حوادث الإهمال الدموية ولا من محاسب ولا من مراقب.
لا يلوح في الأفق بوادر تحقيق لأي مطلب شعبي مهما كان شرعيا وبسيطا ولا حتى أي محاولة على الطريق لتحقيق هذه المطالب .. وكأنهم يعملون فقط على كسر ارادة الشعب وإحباطه والكيد له وتحطيمه نهائياً. 

كثيراً ما كنت أعجب للإتهامات المعلّبة الجاهزة التي كانت تلاحق المعارضين سابقا بالعمالة والخيانة لأمريكا والصهيونية العالمية .. وكنت أتسائل كيف يقول ذلك نظام تتغني الإدارة الأمريكية والحكومة الإسرائيلية بكونه الصديق والكنز الإستراتيجي .. ولا يتغير الأمر الأن فالإتهامات مازالت تنهمر على كل معارض ومُطالب بالإصلاح ولكن أضيف اليها الكثير من عينة كافر وعلماني وليبرالي وشيوعي ومسيحي ومن أعداء الإسلام ... الى أخره من الإتهامات التي تنهمر عليك في كرم بالغ. 
ولا يمانع البعض من اعتبار مطالباتك بالإصلاح إفساد في الأرض وخروج على الشرعية ويستوجب بحسب شريعة المتأسلمين حد الحرابة. فلا يهتز لهم جفن من رؤية شباب يافع ناجح يُقضى تحت التعذيب بعد أن تم كهربته وتكسير عظامه واسنانه وسبل عينه بوحشية وبشاعة عز نظيرها!

لا يمانع هؤلاء في التحريض على التحرش بالفتيات الثائرات فهذا من وجهة نظرهم مشروع لترهيبهن وليبقين في المنزل ولا يزدن أعداد الأعداء بحسب تعبير بعضهم. 

لقد كنت أحد الذين لم يمانعوا في حكم الجماعات الإسلامية للبلاد وتصورت أن لديهم مشاريع تنموية فعلية وأن وجودهم مبشر بتحقيق العدل والمساواة والتكافل الإجتماعي والذين هم من أساسيات الحكم الإسلامي قبل أي شيء أخر .. فما وجدت غير مزيد من الجور والفوضى والهمجية وعقول مظلمة صبها التعصب في قوالب لا يمكنها الخروج منها ولو أرادت .. وقلوب ممتلئة بحق وغل وكراهية على مخلوقات الله لا يمكن أن تجتمع في قلوب ذاقت الإيمان وعرفت الله. 

لا شئ تغير .. فالدرس الوحيد المستفاد من التاريخ .. أنه لا أحد يستفيد من دروس التاريخ!


الأربعاء، 28 نوفمبر 2012

فن الإحتيال

يحفل التراث الأدبي وحتى السينمائي بحكايات عن شخصية المحتال ..  فهو مادة دسمة للعمل الدرامي لما يتمتع به من امكانيات ومواهب ليس اقلها الذكاء وحسن المظهر وبلاغة الخطاب وهي الصفات التي تجتذب إليه ضحاياه في الأساس وتفتح له المجال واسعاً للتعامل مع انماط البشر المختلفة ليسهل عليه تحديد هدفه واختيار الشرائح المناسبة من المجتمع والتي يمكنه التعامل معها ودفعها لتنفيذ رغباته وتحقيق الاستفادة المرجوة. 
وبالرغم من تعدد أساليب الإحتيال والخداع إلا أن هناك صفات أساسية تتوفر في جميع المحتالين بلا استثناء .. كما أن هناك مواصفات أخرى للشخصية التي يسهل وقوعها في حبائل المحتال. 
وأهم صفة تجمع المحتالين جميعا بلا استثناء هي "الكذب" فلا يوجد نصاب لا يعتمد على الكذب والتمويه وخلط الأمور والتدليس على الضحية. 
كما أن المحتالين جميعا يجتمعون في صفات أخرى مثل عدم احترام القانون أو الوفاء بالعهود والوعود ..
ويغيب لدى المحتال أي معنى للضمير أو لوم النفس فهو يتمتع بكل الأسلحة الدفاعية مثل التبرير والإنكار والإسقاط والتي تجعل كل أفعاله من وجهة نظره مبررة وجائزة مهما كانت فداحتها ومهما كان خروجها عن معايير الأخلاق والقيم الإنسانية والدينية ومهما كانت مدمرة لضحاياه.
كما أن النصاب نرجسي بطبعه .. معجب بذاته .. يعتبر أن ماله من مميزات يراها هو تعطيه الحق في الإستيلاء على حقوق الأخرين.. ولا يعدم الأسباب لذلك فهو الأذكى أو الأعرق أو الأقرب إلى السماء ... ألخ
يعرف النصاب جيداً نقاط ضعف الضحية ويعرف كيف يلعب على أوتار مشاعرها وكيف يمسك بمقودها .. وهو يجد ضالته في مجتمع يتفشى فيه الفقر والجهل .. ويعمه الفساد ويغيب فيه القانون .. فتختل فيه كل القيم وتضيع الحقوق. 
وكلما علا قدر المحتال وازداد اتباعه وصنع حوله شبكة من المنتفعين وأصحاب المصالح ..  كلما قويت شوكته وأصبح التضليل والكذب منهج متبع للتغطية على كل مساوءه وجرائمه في حق ضحاياه .. فما بالك لو كان بين يديه إعلام يبشر به ويجمل من صورته .. ما بالك لو كان الخداع يتم بإستخدام أشهر وأهم نقاط الضعف البشري والتي استغلها الطغاة لعصور وعصور منذ فجر التاريخ .. ألا وهي العلاقة بالسماء .. وبالرغم من انتفاء الوساطات بين العبد وربه في الإسلام .. وبالرغم من عدم إعطائه حصانة لأحد من الناس بخلاف الأنبياء والمرسلين من الخطأ .. إلا أن التعصب والتغييب والقهر الذي عانى منه البعض لعقود يجعلهم يرون في نموذج الشخص المتدين ظاهرياً الخلاص ويتبعونه بدون إعمال للعقل بل ويشاركونه جرائم التبرير وإضفاء القداسة على كل أقواله وأفعاله .. بل يكون من المذهل أن تتغير دفتهم من أقصى اليسار لأقصى اليمين بمجرد إشارة منه فيدافعون عن الأمر ونقيضه في ذات اللحظة!!  .. بل يصبح إعمال العقل عندها من باب الكفر بشريعة السماء .. ومن المذهل أن من يحتال باسم الدين يجد أتباع مخلصين على استعداد للإتيان بابشع الأفعال وأكثرها خروجا عن الشرائع ولا يجدي معه حديثاً أو بينة .. فهو محقون بعدوانية وكراهية وغضب شديد تجاه كل من ينتقد أفعال السيد المختار مبعوث السماء .. 
كارثة أن يصل هذا النوع من المحتالين إلى كرسي الحكم فهو يزكي نيران الكراهية ويصنع في المجتمع انقسامات دموية .. وخاصة في دولة مفككة غاب فيها العدل والقانون.

الأحد، 28 أكتوبر 2012

تحرش

عندما تختل المفاهيم وتزدوج المعايير في مجتمع بالكامل فلا نهاية يمكن توقعها لإنحداره .. يظل يسقط في هوة سحقية لا نهاية لها مفارقا كل ما يمت الى التحضر والأخلاقيات والقيم الانسانية بل والمنطق والفطرة السليمة بصلة .. هذا ما بدا جلياً مع متابعة قضية التحرش التي أصبحت تثار بشكل دائم مع قدوم الأعياد .. فأن يوجد تحرش في مجتمع يدعي التدين فهذه درجة من السقوط .. وأن يصبح التحرش ظاهرة فهذه درجة اخرى .. وأن يتم تبرير التحرش بكافة أشكال المبررات كالفقر والبطالة وتأخر سن الزواج فهذه درجة ثالثة من السقوط ..  أما أن يتم لوم الضحية وتوجيه أصابع الإتهام إليها مهما بلغت درجة احتشامها وجديتها واستقامتها لا بل وتجد بعض من يدّعون انتمائهم لتيارات دينية يوجهون الشباب لفعل ذلك بدعوى إجبار الفتيات على لزوم البيت أو الإلتزام بزي خاص فهذه كارثة .. أن لا يكون هناك تواجد أمني ومعالجة قانونية فعّالة وعقاب سريع ورادع لمرتكب هذا الفعل المختل المقزز فهذا هو السقوط بعينه .. أن لا يكون الفعل مرفوض ومجرم اجتماعياً فهذا خلل اجتماعي غير مسبوق .. فمن يقول بأن أسباب التحرش هي تأخر سن الزواج وعدم التزام الفتيات بالحجاب لم يشرح لنا كيف أن أطفال دون سن العاشرة يمارسون فعل التحرش وهم منتشين وسعداء معتقدين أنهم بهذا الفعل قد حققوا درجة من النضوج أو دخلوا في طور الرجولة مبكراً !! لم يفسر لنا لماذا يقوم بهذا الفعل بعض المتزوجين أو لماذا لا تسلم من هذا حتى من ترتدي أكثر الأردية احتشاماً وإخفاءً لمعالم الجسد !! .. وهذا المبرر غير مقبول بأي حال من الأحوال فالفقر لا يبرر السرقة .. والإعجاب بما يملكه غيرنا لا يبرر اعتدائنا على هذه الممتلكات بأي حال من الأحوال .. ولكن المجتمع الذي آعتاد أن يضخم أخطاء المرأة ويضعها تحت العدسات المكبرة ويلومها على كل قصور وكل مشكلة وكل خلل وكل فشل واجداً كافة المبررات للرجل لا بل ومهنئاً له على نفس الأفعال مهما كانت مشينة ومخجلة هو نفسه الذي يمكن أن تنتشر فيه مثل هذه الأفعال المريضة المفرطة في الإنحطاط دون أن يهتز أو يواجه نفسه بالخلل ويعمل على علاجه .. هذا المجتمع الذي آعتاد على أن يشير إلى عمل المرأة كسبب رئيسي للبطالة بدلاً من أن ينظر للأسباب الحقيقية من ركود وإهمال وعدم وجود مناخ اقتصادي صحي وسياسة اقتصادية سليمة تستوعب الأيدي العاملة بعمل مشاريع ضخمة وآستثمارات حقيقية وإنتاج له قيمة بعيداً عن التجارة والمضاربات واللإستثمار في مجال الاتصالات الذي لا يحقق إنتاج حقيقي على الأرض .. هو نفسه المجتمع المصاب بالإزدواجية المرضية والذي لا يتعدى التدين لديه المظاهر والقشور متغاضياً عن جوهره وروحه وأوامره بحفظ الحقوق وكف الأذى وغض البصر .. وفي النهاية بعض الإنضباط الذي يمكن أن تفرضه الدولة كفيل بالقضاء على هذه الظاهرة المخجلة .. فمن أولى حقوق المواطنة أن تكون أمن على نفسك ومالك وأن تجد من يقتص لك إذا ما آستحل أحدهم لنفسه الإعتداء على محيطك .. وإلا فإن أبواب الشر لن تغلق أبداً وكما هو حادث الأن سيضطر كل إنسان لتأمين نفسه والقصاص لنفسه بالشكل الذي يراه مناسباً .. وأعتقد أن غياب الأمن وضياع الحقوق كان أهم وأول أسباب الثورة .... 
مازال هذا السبب قائماً جلياً.

الأربعاء، 26 سبتمبر 2012

في نعي الثورة

ما أكثر المشاهد والتناقضات على الساحة المصرية والتي تدعو للعجب وتُثير عواصف من التساؤلات وأحياناً الضحكات المفرطة في السخرية أو المرارة .. بداية بالطريقة الحلزونية اللولبية التي تتعامل بها الحكومة مع كل القضايا العامة والمشكلات الشعبية القديمة والحديثة والأنيّة .. وكمثال تعاملهم مع رد فعل الشباب الثوري على إخفاء رسومات الجرافيتي التي توثق للثورة وتحفظ وجوه شهدائها وتنادي بالعدالة والقصاص واتخاذ الإجراءات اللازمة التي تحفظ للشعب كرامته وحقوقه .. حيث حولوا المسألة لمجرد قضية فنية تعبيرية لشباب متفرغ يريد أن يخرج مخزونه الداخلي على الجدران دون الالتفات لمحتوى هذه الرسوم أو للمطالب الثورية التي ترمي إليها .. ومرورا بأمطار التكفير والتجهيل والتي تتساقط بكرم ووفرة وغزارة على أشخاص بعينهم وجهات محددة بحسب الطلب وبما تقتضيه المصلحة فبدأنا ولأول مرة نسمع عن "الحزب الكافر" و"الجريدة الكافرة" و "الدولة الكافرة" .. وتحريم الإنضمام لحزب بعينه والتصويت لشخص بعينه والذهاب لدولة بعينها!! .. بالرغم من النصوص الصريحة التي يحتويها القرآن الكريم والأحاديث النبوية والتي تأمر بعدم تحريم - أو تحليل - أمر أو شئ لم يرد نص صريح في تحريمه أو تحليله ابتغاء مصلحة شخصية .. والتحذير من تكفير الأخر ما لم يكن هناك أدلة قوية وظاهرة ولا تقبل الجدل على ذلك والا فالتكفير سيعود على من رمى به في البداية .. وليس أدل على أن ما يحرك هؤلاء هو المصلحة الخاصة والمصلحة الخاصة فقط من تكفيرهم لحزب يضم كل القوى الثورية بلا استثناء لم يصدر عنه ما يشير من قريب أو من بعيد لكونه ضد الأديان أو المعتقدات الدينية أياً كانت .. بينما لا يحظى بهذا "الشرف" أحزاب عريقة مبادئها تبتعد كثيراً عن الاتجاه الديني الذي يدعوا إليه المُكفّرون .. وليس أعجب من إتيانهم لما كانوا ينهون عنه في عهد مبارك بل وإيجاد كافة المبررات التي تدعم مثل هذه القرارات والأفعال وتحلل ما هو محرم بنصوص شرعية واضحة تحت بند مطاط جدا يدعونه "الضرورات تبيح المحظورات" .. لا أعرف من أين أتوا به فالضرورة التي يبيحها الدين هي ما يفصل بين الموت والحياة وليس شئ أخر .. فأحلوا لأنفسهم جميع ما حرموه سابقاً .. بداية من الانتخابات الديمقراطية .. لمشاركة المرأة في العمل السياسي .. للقروض الربوية .. وليس نهاية باتباع ما تقتضيه الدبلوماسية من تغيير في نوعية ملابسهم وقبولهم التسليم يدوياً على النساء الأجنبيات ومجالستهن وكلها أمور كانوا يجرمونها بشدة قبل الإنخراط في العمل السياسي .. وبعيداً عن كون ما يعتقدونه أو ما يفعلونه صواباً أو خطأ .. كيف نثق في أشخاص يغيرون مبادئهم ومعتقداتهم بهذه السهولة وهذا اليسر .. كيف تعتنق مثل هذا الفكر المطاطي الذي لا يخدم سوى مصلحتك من موقعك ووجهة نظرك وتدعي أنك وحدك الناطق باسم الشريعة .. كل ما يصدر منهم عنصري وطائفي ومتعصب يعزز الانشقاق ويثير الكراهية والنفور .. تمنيت حقاً أن نجد في اقوالكم أو أفعالكم تطبيق حقيقي لدين أو شرع فتسارعون للقصاص من القتلة ومحاسبة الفاسدين وناهبي المال العام بدلا من تكريمهم والإبقاء عليهم في مناصبهم .. ونفس هذا الخطاب المتعالي المنفر يثيره أتباعهم وموئيديهم على صفحات الانترنت وفي الفضائيات ولا يتورعون حتى عن القذف والسب والخوض في الأعراض وهي من الكبائر التي تستوجب اقامة الحد. الجميع أصبحوا من وجهة نظرهم أعداء وكفرة وأعداء للثورة .. الثورة التي احتالوا هم عليها وفرغوها من كل مطالبها واحلامها بالحرية والعدالة وأغرقوها في مستنقع من الخلافات العقيمة تاركين كل القضايا الهامة بلا علاج .. فمازال الفساد يسيطر على كل مفاصل الدولة .. مازال الفقر والقهر والمرض يقتل الأبرياء ويستنزف حياتهم .. غلاء .. بطالة .. انفلات أمني .. مازال الثوار في السجون محرم حتى على اللجان الطبية والحقوقية زيارتهم .. مازال الحد الأدنى والأقصى للأجور حلم بعيد المنال بالرغم من تأكيد الجهاز المركزي للمحاسبات على أن تطبيق الحد الأدنى بواقع 1200 جنيه والأقصى بستة وعشرين ضعف سيوفر للدولة 29.5 مليار جنيه سنوياً .. وأن 5800 موظف يتقاضون 50% من قيمة رواتب العاملين بالحكومة والقطاع العام والبالغ عددهم قرابة الخمسة ملايين!! 
مازال الشعب يقضي يومه في صراع مميت خلف الخبز والغاز ويحلم بكوب ماء نظيف .. ومازال الخطاب السلطوي كما كان دائماً يتحدث من كوكب أخر عن شعب مرفّه يتمتع بحرّية وكرامة ليس لهما وجود على أرض الواقع!

الثلاثاء، 18 سبتمبر 2012

صرخات على الجدران

هي صرخات صامتة .. عرفتها كل الشعوب المضطهدة المقيدة .. الرازحة دائما وأبداً تحت يد القهر والقمع والطغيان .. رسومات على الجدران .. تجعل الحجر يصرخ ويأن .. بعد أن أصاب الصمم الأذان وقست القلوب وغابت العقول .. هي صفحات سجلت ملاحم كفاح شعوب وتاريخ حافل بالشهداء والضحايا .. رسوم عبرت الأسوار والحواجز "رسوم الجرافيتي".. حفظها الشعب وجعلها سجله الحافل عندما آستطاع بعزيمته أن يصنع التغيير الذي سعى إليه .. وعندما وجدت صرخاته صدى .. ويشهد عليها سور برلين الذي مازال يحفظ لشعب ألمانيا ملحمة كفاحه لتوحيد بلاده وإسقاط حاجز صنعته الحرب الباردة وأصحاب المصالح .. رسومات لم يخلو منها الجدار العازل المقام في الأراضي المحتلة .. وكانت لسان حال الثورة والثوار في مصر وتونس وغيرها من البلاد التي أرادت الخروج من قبضة القمع والقهر وأن يحيا شعبها كبشر ويعامل كبشر .. ولكن عندما يتم إحتواء الثورة وتلجيمها وتحجيمها وتسيير الأمور كلها في عكس اتجاهها .. يكون تكميم الأفواه أحد الوسائل الهامة للقضاء نهائياً عليها .. ويصبح محو هذه الرسوم الجدارية محو لأخر أثر يدل على أنه كانت هنا في يوم ما ثورة .. كلما تأملت في الحال في مصر وما ألت إليه الأمور أصاب بحالة من الاندهاش الشديد .. كيف سارت الأمور في هذا الطريق وانحدرت الى هذا الدرك .. كيف انطفأت الأمال العريضة في التغيير والارتقاء وسقطنا مرة أخرى في نفس الوحل بل زاد عليه ما هو أكثر من الماضي تراجعا وانهيارا .. لا شئ تغير فعليا .. نفس السياسات العقيمة .. نفس الأساليب القديمة .. نفس الخطاب الحكومي الفارغ البائس .. نفس مناهج التعامل مع المشكلات والإحتجاجات .. لا أعرف ما هو المطلوب فعليا واللازم عمله لنعامل كبشر ومواطنين في بلادنا .. متى يكون لدينا قانون قائم يحترمه الجميع ويطبق على الجميع بلا استثناء .. حتى الأن لم تتحقق فعلياً أيا من مطالب الثورة المهيضة وقد لا تتحقق أبداً إذا بقى الحال على ما هو عليه .. بل أن الأمور ازدادت سوءاً وأصبحت أفعال وقرارات من بيدهم الأمور ذات قداسة من يعترض عليها فكأنه يخالف أمر إلهي .. فمنافقي كل العصور لم يدخروا جهدا في إضفاء القداسة على أفعال الرئيس والحكومة ولم يتوانوا عن استخدام نفس أغنيات جوقة الرئيس السابق .. وسلاح المبررون يعمل بكامل طاقته لتبرير ما لا يمكن تبريره وبأساليب لا تقل غباء عن أساليب مبررين الحزب الوطني البائد .. وكما وجدوا الف مبرر لمذبحة كتب النبي دنيال .. سيجدوا ألف غيرهم لمحو جرافيتي محمد محمود وتغيير معالم ميدان التحرير تحت شعار التحديث والتجميل بالرغم من أن المشاركين في هذه الأعمال هم فنانين في غاية الروعة وما قدموه إبداع حقيقي يستحق الحفاظ عليه واحترامه ناهيك عن المعنى المتجسد فيه .. وكأن البلاد خلت من كل مظاهر القبح والتخلف .. فلا أطنان من القمامة ولا ملايين من أطفال الشوارع والمشردين ولا عشوائيات وقرى خارج حدود الزمان والمكان وغير معترف بها وبأهلها كبشر لهم الحق في العيش بكرامة .. فلم يبقى ليشوه الوجه الحضاري العظيم الذي يطل علينا غير أكشاك الكتب ورسومات الجرافيتي التي تعبر عن الثورة!!! ..  كل شئ بقى على حاله ولم يتغير غير عدد المغيبين والمبررين والمسحورين بالشعارات واللحى. 
أما أنتم يا شهداء الحرية والمبادئ فإن غابت وجوهكم من على الجدران كما غابت من قبل عن الحياة .. فهي لن تغيب عن عيوننا وقلوبنا .. وان كانت الوعود باعادة المحاكمات وفرض القانون قد ذهبت ادراج الريح فمازالت مطالب الثورة والعدالة حية في قلوب ثوار لم ولن ينسوا.. والمحاولات المستميتة لغلق كل قنوات التعبير لم تفلح سابقا ولن تفلح أبداً..

الجمعة، 25 مايو 2012

عن الانتخابات

ما أكثر الحُجج التي تدفعنا للاسراع في البدء بدون أساس سليم ودراسة جيدة، وتُزين لنا الطريق وترفع احتمالية نجاح مشروعنا بالنسبة لاحتمالات الفشل في اعيننا ، فنعتمد على الأمور الغير منطقية كالحظ والقدرة على علاج المشاكل التي ستنجم عن عدم التخطيط والترتيب وعدم وجود دراسة وافية وعدم توفير مقومات النجاح قبل المضي قدما وكأننا سنستطيع التعامل معها بحكمة وقت حدوثها وهذا بعيدا تماما عن الواقع والتجربة العملية. 

يتجلى هذا واضحا في انسياق الشعب المصري وراء انتخابات - وان بدت ديمقراطية - الا انها كانت محسومة سلفا ومعروف يقينا انها تحت كل الظروف لن تأتي بمرشح ثوري، واي انتخابات نزيهة تنتظر وقانون العزل يطبق على مرشح دون أخر بدون اسباب منطقية او مفهومة، وأي انتخابات نزيهة يمكن ان تقام في ظل تحصين غير شرعي لقرارات اللجنة العليا الانتخابات بحيث تكون اداة لفرض الأوضاع على الأرض مهما شابها من تزوير وتلاعب ورغم انف القانون والأحكام القضائية. 

وأي انتخابات نزيهة ننتظرها في ظل عدم الرقابة على الحد الأقصى للصرف بالنسبة للمرشحين فنطيح بمبدأ تكافؤ الفرص بالنسبة لباقي المرشحين. 
أي انتخابات نزيهة تنتظر والنظام الذي قامت الثورة ضده يعمل بكامل طاقته وفي اماكنه لتثبيت دعائمه واعادة انتاج نفسه بصورة شرعية محمية بقوة السلاح وعلى استعداد للوصول الى مدى لا نهائي في التنكيل والقمع لاخراس من تسول له نفسه الرفض او يرتفع صوته.

تجاهل الجميع كل المؤشرات الواضحة ، تجاهلوا حتى التصريحات الاستفزازية والتصرفات الوقحة التي قام بها مرشح نظام مبارك والتهديدات العلنية التي اطلقها شمالا ويمينا عن قمع وابادة من تسول له نفسه الاعتراض على فوزه المعد له جيدا. 
العجيب ان الأصوات العاقلة والتي دائما ما تنبه للسير في الطريق الصحيح وتحاول تجنب الكارثة .. تُقابل بتيار جارف من الضجيج والصراخ المحمل بكافة اشكال الاتهامات والتصنيفات ، فلا تملك الا السكوت او الدفاع عن نفسها قدر ما تستطيع. 

كنت اتمنى ان تكون انتخابات الرئاسة بداية على طريق الاصلاح الذي حادت عنه مصر لعقود وعقود .. ولكنها اصبحت بكل اسف بداية لمرحلة اكثر ضبابية لن تخلو من الفوضى والقمع وتدفعنا اكثر في اتجاه المجهول. 

الثلاثاء، 3 أبريل 2012

عفوا لقد نفد رصيدكم

الثورة، زلزال يهز كل ما على الأرض من ثوابت، بركان يتغذي من الغضب والذل والألم والظلم والمعاناة، حتى اذا لما تعد قشرة الأرض قادرة على كبح جماحه، انطلــــق هائـــجا مدمـــــرا ما في طريقه.
 عرفنا الثورة بحرارتها وعنفوانها ورأينا كيف تم التعامل معها حتى خبا لهيبها أو كاد، وكما انكشف لنا حجم الفساد وتعقيداته وتشابك مسارات المستفيدين منه، وكما عرفنا حجم ما تم نهبه واهداره من اموال وثروات شعب بائس يصارع ليعبر يومه وهو مازال على قيد الحياة، انكشفت لنا أيضا خامات ومعادن الكثير من الشخصيات والفئات والجماعات على الساحة ، وانهارت الكثير من المعتقدات والثوابت الراسخة التي عشنا في اوهامها سنوات وسنوات، عن معارضين كان معارضتهم لخدمة الشكل الديمقراطي للنظام وبدعمه، صيحاتهم لا تتعدى المدى المطلوب منهم، يؤدون ادوارهم وينالون جزائهم ولا يتخطون الخطوط الحمراء.

 وأنكشف لنا نوع من المجاهدين الذين حوربوا لسنوات ولاقوا الأمرين في المعتقلات ودفعوا ثمن مواقفهم من سنوات عمرهم واموالهم، وظلوا يمتنون على الشعب بما لاقوه من النظم الديكتاتورية المتوالية في رحلة كفاحهم، ويعدوننا أنهم اذا تولوا الأمر ليقيمون العدل ويهدمون دولة الباطل، حتى واتتهم الفرصة واصبح من كان بيده السلطة العليا "حزب منحل" ومن كان "محظورا" بيده السلطة.

 فماذا كانت النتيجة؟

أكاد أقسم أنها لعنة ما في الكرسي تصيب الجالس عليه بنشوة مرضية تلهيه عن المبادئ والقيم وتنسيه الحقوق والواجبات فلا يعد يرى غير سطوة المنصب ولا يعرف غير لغة المصلحة.

يلح علي سؤال هنا .. لكم أيها المجاهدون: هل جهادكم كان يوما للحق والعدل واعلاء كلمة الدين ؟ أم أن الأمر لم يتعدى يوما كونه صراع رخيص على السلطة والمصالح الخاصة ومحاولة الحصول على اكبر قدر من المكتسبات!

 هل تؤمنون حقا بأن المناصب هي لخدمة الشعب والدولة أم تعتقدون أنه لا حق ولا ذمة الا لمن كان منتسبا للجماعة، وأن السلطة يجب ان تكون مطلقة لكم تُسيٌرونها كما تُسيٌرون جماعتكم ، على طريقة "لا تجادل ولا تناقش" ولا تخالف رأي الجماعة والقائمين عليها وإلا ستطرد من رحمتهم ويطرد من يواليك أو يظهر لك المودة.

 كيف يستقيم انتسابكم للدين مع الكذب والخداع وموالاة الظالم والسكوت عن الحقوق، كيف يستقيم مع القذف ورمي الناس بالباطل واخراجهم حتى من دينهم اذا لم يوافقوا على سياستكم المخلخلة المتناقضة القائمة على ردود الفعل والمساومات؟

الحديث الأن عن تاريخكم ضد الأنظمة الديكتاتورية لم يعد ذات معنى فهو كان للجماعة ولصالح الجماعة وليس لكم ان تمنون علينا به اليوم أو تنتظرون من الشعب المهدر الحقوق أن يرد لكم الجميل.

 لقد قدم الشعب لكم السلطة على طبق من ذهب فأدرتم له ظهوركم في أول فرصة وأنقلبتم عليه ولا أعتقد أن صبره عليكم سيطول أو سيترك لكم الفرصة للتغلغل أكثر من ذلك في السلطة ويسمح لرجلكم الذي نال عفو ورضا العسكر بتولي مقعد الرئاسة، فنجد أنفسنا وقد دفعنا ثمنا غاليا للتخلص من زواج المال بالسلطة ووقعنا في علاقة من نوع جديد يمتزج فيها السلطة بالمال بالدين، ويُشبٌه فيها الزعماء بالرسل والأنبياء بعد أن كانوا يُشبٌهون بالأباء. 

الشعب وحتى اليوم لم يرى فيكم الا استنساخ للنظام السابق بلا أي تغيير إيجابي يذكر، بل أن التسلط والديكتاتورية اصبحت تمارس باسم الدين ومن يعترض عليه ان يتلقى في صدره سهام التكفير والتخوين.

استمعوا الى صوت العقل والحق، وأنصتوا حتى لمن كانوا منكم يوما وتركوكم يأسا وحزنا،  وراجعوا أنفسكم قبل فوات الأوان.

الأحد، 25 مارس 2012

مسرحيات هابطة

العلاقة بين اهل السياسة وأهل الفن التمثيلي والترفيهي علاقة قديمة ومعروفة، وكثيرا ما تكشف الاحداث عن قصص وحكايات لزيجات وارتباطات تمت او تتم بين هؤلاء وهؤلاء حتى لم يعد الأمر مستغربا أو مثيرا للانتباه، وليس مستغربا أن تحاول احدى الفنانات التي انحسرت عنها الأضواء وخفُت نجمها آستخدام ما لديها من أسرار وعلاقات سابقة لضمان عيش حياة كريمة تتجنب فيها الفاقة والعوز، وليس مستغربا أيضا ان تتعرض بعضهن لحوادث اعتداء قد تصل حد التصفية الجسدية اذا خرجت عن النطاق وقررت تحدي من بيدهم السلطة.

ليس مستغربا - وان كان مثيرا للسخرية- أن تدعٌم بعض الفنانات المشتهرات بأدوار الاثارة التيار الاسلامي او تعلن إحداهن آنتمائها لأحد جماعات الاسلام السياسي سرا خوفا من بطش النظام السابق بعد أن أصبح هؤلاء أغلبية برلمانية، أو تقوم راقصة بالإعلان عن طلبها الانفصال عن زوجها النائب السلفي صاحب أشهر أنف في التاريخ الحديث.

فالسياسة في هذا العصر أصبحت غير بعيدة عن كونها احد انواع الفن التمثيلي، وكما أن الفن التمثيلي فيه الراقي والهابط والمسف، ففنون السياسة أيضا فيها ما هو راقي وهابط ومسف.

وليس أشد إسفافا من مسرحية المعونة التي تم تمثيلها بشكل غير احترافي ولا محبوك وشارك فيها عدد لا بأس به من دعائم نظام مبارك الذين ثبتوا أقدامهم وعادوا يطلون علينا بوجوههم الممقوتة والمعروفه بتبعيتها الكاملة للإدارة الأمريكية، رافعين سيوفهم الخشبية منادين بوقف المعونات والاستقلال التام عن أمريكا، ثم يستعينون بأحد دعائم نظامهم الذي مازال قائما وهو رجل الدين الأكثر قبولا ونجم الفضائيات الذي وضعوه فوق النقد وجعلوا مناقشته أو سؤاله جريمة لا تغتفر في حق الشرع والدين قد تخرجك من دينك وتنفي عنك إيمانك.

وفجأة وفي ذروة انهماك الأبطال بأداء أدوارهم أُسدل الستار وسكتت الأصوات وأنصرف الممثلين والمخرج وباقي طاقم العمل تاركين المتفرجين في حالة من الذهول لا يدرون ما الذي حدث فعليا خلف الكواليس وأين من كانوا يملئون الدنيا صراخا منذ لحظات!

ولأن التمثيل شعار المرحلة، ولا يجب أن يظل المسرح فارغاً لوقت طويل حتى لا يستيقظ النائم ويفيق المذهول، بسرعة البرق أعتلى خشبة المسرح ممثلون أخرون وبدأوا في مسرحية جديدة، أبطالها هذه المرة هم من خانوا مبادئ الثورة وأعتلوا كراسيهم فوق جثث ضحاياها وشهداؤها ، وخالفوا على طول الخط كل ما طالبت به القوى الثورية وقبعوا مع النظام الفاسد في خندق واحد لم يجرؤوا على الاشارة بإصبع لهم حتى في اقسى وأفدح الجرائم والانتهاكات التي تمت ضد الشعب وضد الثوار، فكل شئ كان لديهم مبررا وكل شئ يهون في سبيل الكرسي.

هذا الكرسي المزعزع الذي اصبحوا وأمسوا مهددين بالسقوط من عليه في أي لحظة بل أنهم يعلمون تمام العلم أنه لا قيمة له ولا فائدة ولا يسمح لهم باتخاذ أي قرار لا يرضي سادتهم أو مناقشة أمور خارج النص المُعطى لهم.  

هؤلاء الذين أيدوا حكومة الجنزوري بالرغم من الرفض الشعبي لها وانتمائها بالكامل لنظام مبارك، هؤلاء الذين اضفوا الشرعية على كل القرارات المعيبة والتي تخالف الصالح العام، قاموا فجأة – وعلى غرار مسرحية المعونة – بإعلان الحرب على الحكومة والمجلس وهددوا بالتصعيد والثورة والحشد الشعبي ما لم يتم الاستجابة لهم واقالة الحكومة الحالية ليقوموا بتشكيل الحكومة بكوادرهم المنتمية لجماعتهم.

وينتظرون الأن من الشارع الدعم والمؤازرة !!

 لقد فقدتم ثقة الشارع ولم يعد لكم وجود في حساباته، فانتمائكم الأول والأخير للجماعة ومصلحة الجماعة. أما نحن فقد سئمنا من المسرحيات والادعاءات ولم يعد لدينا طاقة على تحمل المزيد من العبث والأكاذيب، ولا نحسب الا أن الأمر لا يتعدى مسرحية جديدة للمزيد من المساوامات والإتفاقات على شعب يقضي بعض أفراده نحبه في سبيل رغيف من الخبز أو انبوبة غاز.

الأربعاء، 25 يناير 2012

خواطر

بين اليأس والرجاء تقع مساحة واسعة من التاريخ الانساني ونقضي زمنا طويلا من اعمارنا، نتأرجح بين أماني نحلم بالحصول عليها واماكن نهفو للوصول اليها، احلام قد تكون متناهية في البساطة أو بحجم الجبال الرواسي، احلام قد نقضي العمر في تتبعها تدفعنا طاقة من الأمل والرجاء، واخرى يقضي عليها اليأس والضجر.

يتسرب اليأس والاحباط لنفوسنا كمادة لزجة باردة تطرد الضوء من النفوس، تجعل كل شئ لا معنى له ولا أهمية، يتساوى الوجود والغياب، يتساوى الليل والنهار، الأمس والغد، وكأننا في منطقة خارج حدود الزمان والمكان منعزلة عن باقي البشر، شعور يجعل حتى من الحياة والموت سواء.

عندما يطاردك اليأس وتشعر بنفحاته الباردة على وجهك يجب أن تنتبه وتراجع حياتك وتنظر لما بين يديك، ترسم اماني جديدة تستحق ان تحيا من أجلها ، تبحث عن نور الشمس ودفئها وحرارتها لتغمرك ولو كانت غائبة فلتحيا على أمل ان تنقشع عنها الغيوم وتتمكن أشعتها من التسلل اليك لتؤنس وحدتك وتبدد ظلمات نفسك.

الاستسلام يعني النهاية، فمهما كانت الصعوبات ومهما كان عدد اليائسين والمستسلمين حولك، يجب أن تتحلى بإيمانك وعزيمتك، وقد يجعل ذلك منك مصدر الهام لغيرك فكما أن اليأس معدي فالأمل ايضا قد يكون كذلك.

الجمعة، 6 يناير 2012

في سبيل الكرسي

عندما يطول بقاء انسان في السلطة، ويجد نفسه محاطا بجوقة من المنتفعين والمتملقين يزينون له سوء عمله فيراه حسنا، ويمتلك كل وسائل التأثير والقوة من اعلام وجند مسلحين مسخرين لخدمته وحمايته هو ومن سار في ركبه، يكون من المفهوم والمنطقي ما يطرأ على تركيبته النفسية ومبادئه من تغيرات، في حالة كان يملك مبادئ ونفس قويمة من حيث المبتدأ. 

ولكن ما ليس مفهوما بالمرة ويجعلنا نتوقف كثيرا عنده ، أن يصاب بأعراض تغير المبادئ واختلال القيم والأولويات أشخاص مشهود لهم بالصلاح قضوا عمرهم في كفاح مستميت ضد الظلم وعانوا من التسلط والقهر لعقود، لمجرد أن لاح لهم في الأفق بريق مقاعد السلطة فينسون ماذا جاء بهم الى هنا ومن الذي دفعهم وأوصلهم ليكونون على هذه المسافة الدنيا من الكرسي الملعون. 

فنجد الوعود والعهود قد أُخلفت، وبدأت السرية تحيط بأفعالهم فتغيب الشفافية ويصبح هناك جدار بينهم وبين عامة الشعب الذي دفعهم لثقته بهم واعتقاده في جدارتهم وقوة ايمانهم بمبادئهم، ويبدأون في استخدام اسلحة التبرير والتخويف والمماطلة والممالئة، فيتحولون لنسخة مطابقة لمن كانوا بالأمس ألد أعدائهم والذين كانوا يعيبون عليهم افعال اصبحوا يقترفونها هم مستخدمين كل الحجج والذرائع لتبريرها متخطين في مسيرتهم نحو الكرسي الحقوق والواجبات وحتى النصوص الشرعية التي نصبوا أنفسهم حماة عليها ورعاة لها. 

كثيرا من الأسماء اللامعة ذات الشعبية الطاغية سقطت في فخ الكرسي الملعون، وقليلا هم من نجوا من زيفه وخداعه وخرجوا منه كما دخلوه. 

وقد شهدت الشهور التي تلت الثورة في مصر سقوطاً مدوي لسلسة من الأسماء التي لطالما حازت على درجة من الرضى والقبول لدى الشعب. 

فالإختبار الحقيقي للرجل يكون بتوليته سُلطة لمعرفة هل سيطبٌق عمليا ما يعتنقه من مبادئ وقناعات عندما تتاح له الفرصة لذلك، أم أنه سيضرب بمبادئه عرض الحائط ويلهث مع اللاهثين مضيعا تاريخه وأمانته ونفسه. 

حتى الأن ....... لم ينجح أحد في اجتياز الاختبار، البعض سقط سقوطا مدويا، والبعض قدم درجة من التنازل والبعض مازال محتفظا بمبادئه ولكنه بعيدا جدا عن الكرسي.

لن تنجح الثورة الا عندما يعتلي المناصب أشخاص لا يعرفون المساومات، ولائهم الأول للمبادئ ويعملون لصالح الشعب الذي حملهم لمقاعدهم. 

الثلاثاء، 3 يناير 2012

مستغرقون في التعاسة

لا تخلو حياة أحد منا من الألام والأحزان والتجارب المؤلمة، فالأحزان لا تعرف طبقات ولا تقف عند المستوى العقلي أو البيئي للفرد.

ولكن ما يصنع الفارق دائما هو أسلوب تعامل كلا منا مع احزانه وهمومه وما تعرض له في رحلة حياته من صدمات، فالبعض تتوقف حياته عند لحظات الفقد ويعيش في الماضي، يبحث عن كل ما يذكره بما كانت عليه حياته أيام سعادته وقبل أن تتقلٌب عليه الأيام والأحوال.

 البعض يعيش همه وكأنه صديقه الوحيد في الحياة فيلجأ الى كل ما يجسد مشاعره  فتجد الحزن يسكن منه الملامح ولون الملابس يختار من الموسيقى اكثرها شجناً ومن الكلمات ما يثير مشاعره ويعيده الى لحظات الألم مرارا وتكرارا وكأنه استعذب الحزن وصادقه ووجد فيه نفسه.

البعض الأخر يصنع لنفسه درعا من اللامبالاة، أو يسخر من كل شئ حتى من نفسه فتخرج صرخاته مختفية بين ترددات قهقهاته دون أن يلاحظ أحد.

والبعض يكره الأحزان ولا يطيق أن تستحوذ عليه هذه المشاعر السلبية لفترة طويلة، فيتعامل مع مشاكله ولا يتوقف كثيرا عند ما فقد فالحياة مستمرة والموج عالي والتوقف يعني النهاية. 

التغلب على الأحزان والمواقف الصعبة يتطلب الكثير من الشجاعة والوعي، أن نعرف جيدا اين وصلنا وما الذي وصل بنا الى هذه النقطة، ما الذي يمكن فعليا اصلاحه وتداركه، وما الذي يجب عبوره وغلق صفحته الى الأبد.

وفوق ذلك أن نستعين بكل طاقة ايجابية تمثل دافعا للخروج من دائرة الحزن، طاقة الايمان بالله وبأنه معنا يعين من يلجأ اليه، فيجد لديه الراحة وهدوء النفس.

ممارسة الرياضة والتي تستهلك الكثير من مشاعر الغضب والألم والحزن وتعطينا درجة من الرضا عن الذات والشعور بالقوة والحيوية، فبالاضافة لكون ممارسة الرياضة تعدل من افراز المخ لمواد هامة مثل السيراتونين والذي له تأثير هام في تنظيم دورات النوم واليقظة ويؤثر على الشهية والمزاج، تقوم الرياضة أيضا بتنشط المخ وتحسٌن من أدائه بصفة عامة، وبعض الأبحاث الحديثة تشير لأن تأثيرها قد يعادل تأثير بعض العقاقير المضادة للإكتئاب.

الاندماج في نشاط ذهني يتناسب مع ميولنا واهتماماتنا ويمثل لنا نوعا من الشغف يجعل التفكير فيه والعمل عليه لا يترك لنا الكثير من الوقت لإعادة التفكير فيما مضى.

وأخيرا أن ندخل الألوان الى حياتنا ونهتم بلمسات الجمال نزين بها ما حولنا ولتكن نغماتنا مشرقة مرحة متفائلة فحياتنا أقصر مما نتصور.

الأحد، 1 يناير 2012

تأملات في عام جديد

تدور الأرض في مسارها، بثبات وأستمرارية، وتتوهج الشمس بنارها وترسل ضيائها، تتناغمان مع ملايين الأجرام التي تسبح في الفضاء منذ الأزل، لا تعرف حسابات البشر الصغيرة، ولا تتوقف عند أيام وأعوام. 

بينما يعيش البشر بالأمل، يترقبون دائما البدايات الجديدة علٌهم يستطيعون تحقيق امنياتهم وأحلامهم وتصحيح أخطائهم والانسلاخ من الألام والأحزان التي عانوها على مدار العام، فالأيام في حياة البشر والأعوام محدودة مهما طالت بمقاييسهم ولا تساوي شيئا بمقاييس الكون الممتد بلا نهاية ولا بداية معروفة في الزمان والمكان. 
نحسِب الأعوام ونقيمها بما مر فيها من أحداث، وبحجم المكاسب والخسائر التي تحققت فيها سواء على المستوى الشخصي او الوطني والعالمي. 

ولا أعتقد ان هناك عام مر في حياتي حمل هذا الكم من الفواجع والأحداث والألام على كافة المستويات وفي أنحاء الأرض، لم تتوقف الكوارث والأحداث الساخنة وحتى أخر يوم فيه، فقد كان ختامه إعصار "ثان" في الهند وفيضانات في ثايلاند.
كان هناك شعور عام بالارتياح لانتهاء هذا العام الغريب الإستثنائي "أو نرجو أن يكون كذلك" ، فانتهاءه حمل لنا بعض الأمل الزائف في انتهاء ما فيه من مأسي وأحداث دامية، كانت الاحتفالات بالأمس في أرجاء العالم ضخمة ومتميزة وكأنها وداعا لكل ما مثٌله هذا العام. 

وأشرقت الشمس لتعلن صباحا جديدا وفي حساباتنا عاما جديدا، تفتحت أعيينا فإذا كل شئ كما كان، مازال البشر يعانون، لم تختفي المشكلات لم ترحل مع العام الراحل. 

ولكن .. مازلنا نأمل أن يحمل لنا العام الجديد الخير، وأن يكتب لنا الله فيه حياة أفضل وألام أقل!

الأربعاء، 21 ديسمبر 2011

من الصدمة الى الغضب

لا أظن ان هناك انسان لديه شعور وحس انساني لم يهتز لمشاهد القمع والقتل والتنكيل التي شاهدناها جميعا في التحرير وبعض ميادين مصر الأخرى في الأيام الماضية، الا أن مشهد الفتاة التي هاجمها العديد من الجند بعدتهم وعتادهم فسحلوها ونزعوا عنها ثيابها كان أكثر المشاهد الصادمة والتي لا أعلم لها نظيرا على الاطلاق ، وزاد بشاعة المشهد التنكيل الذي نال كل من حاول أن يدرأ عنها العذاب أو يستر جسدها الذي انتُهكت حرمته علنا وممن يفترض أنهم حماة الأرض والعرض. 
لم تتوقف بشاعة المشهد عند هذا الحد ، ولكن ما تلى ذلك من نقاشات وتصريحات فجر بداخلي بركان من الغضب ، ففي مثل هذه المواقف تسقط الأقنعة وتصبح الكلمات والشعارات لا قيمة لها ، ولا يمكن قبول اي حجج أو مبررات تسوٌغ حدوث مثل هذا المشهد المفرط في البشاعة!

تصورت أن المشهد لا يقبل المزايدة ولا يحتاج لنقاش و تحليل .. الصورة واضحة تغني عن اي كلام، وبالرغم من ذلك انهالت التحليلات والادعاءات وبدأت عجلة التشهير في الدوران وصاغت الكثير من الروايات والحكايات واخذتنا في طرق فرعية لا معنى لها لتشويش الرؤية وصرف الانتباه عن الكارثة الحادثة. 

من هي ؟ ماذا تفعل في الميدان؟ ماذا كانت ترتدي ؟ أين ذهبت؟ هل المشهد مفتعل لاثارة جماعات الاسلام السياسي الخاضعة تماما لكل ما يمليه عليهم العسكر وحتى الوصول للكرسي؟ هل الفيديو مزور؟ 

أسئلة لا محل لها من الاعراب وغير ذات مغزى ولن تصل بنا الى هدف.

 يا بشر يا من أكرمكم الله بالعقل .. هل هناك مبرر ترتضية الانسانية ويرتضيه الضمير والعقل لأن تهان فتاة بهذا الشكل ، ولم تكن هي وحدها من تعرضت للأذي ولكنها وحدها من شائت لها الأقدار ان تنتقل صورتها فتحتل الصفحات الأولى في كل صحف الأرض من أقصاها الى أدناها. 

في هذا اليوم ظهرت أشد الوجوه قبحا وبشاعة وتجسد الفكر المتعصب في شكل مخلوق مشوه لا يفهم الروح الحقيقية للأديان السماوية، ولا يعرف الا لغة المصالح التي تجعله يغض الطرف حتى عن الأعراض المنتهكة فلا ينطق الا بسخافات تثير الغثيان، ظهر لنا من هم أصحاب المبادئ ومن هم على استعداد للمساومة على كل شئ وبكل شئ مهما كانت قيمته. 

في هذا اليوم لم نقف امام جسد عارٍ ولكن وقفنا أمام الحقيقة العارية والتي هبت كريح قوية لم تصمد أمامها كل الأكاذيب.   

الجمعة، 16 ديسمبر 2011

جروح دامية


منذ أن تفتحت أعيننا على الدنيا وما فيها لم تفارق مشاهد القتل والتدمير والتهجير الجارية على أرض فلسطين أعيننا ومخيلتنا يوما، كنا نتابع المؤتمرات والاتفاقات والمهاترات والسجالات التي يبثها الاعلام من كل حدب وصوب ، خطابات وأغنيات ، شعارات وأشعار ، ولم يتوقف الدم العربي عن النزف يوما. 
حتى استيقظنا يوما على فاجعة اكبر وبلاء أشد عندما وجدت الادارة الأمريكية أن مصالحها تقتضي دخول العراق والقضاء على أي مظهر حضاري فيه وتدمير بنيته بحيث لا تقوم له قائمة في القريب العاجل ، جرح اخر اشد وطأة ونزيف اخر جعل الصورة اكثر بشاعة ودموية. 
ثم امتدت الأصابع المخربة لتعبث بباقي اجزاء الجسد المنهك فتصنع جرح اخر في السودان تتركه خائر القوى ممزق الى اشلاء، وحتى الطبيعة تشارك بقسوتها فتصنع المجاعات وتنقل لنا مشاهد اكثر ايلاما وبشاعة من الصومال المبتلى بالجوع والقتل. 

لم نكن نتوقع أن نصحو يوما على قتل وسفك يومي للدماء بين أيدينا وفي شوارعنا ومياديننا ، وليس ذلك في حرب نخوضها ضد عدو أجنبي يقتحم بلادنا ، وليس ذلك من فعل كارثة طبيعية لا نملك لها ردا فنحاول تدارك أثارها راضين بالقضاء والقدر. 

ولكن ما يجعل الأمر أكثر قسوة وايلاما ووحشية أن يفعل ذلك من هم منك يحملون جنسيتك ومن المفترض انهم مؤتمنون على حياتك ، واجبهم حمايتك وحماية مصالحك واسرتك وبيتك ووطنك ، الأكثر قسوة وايلاما أن تجد من يدعون أنهم القائمين على حدود الله يجدون لنفسهم الحجج والمبررات للسكوت والرضا طمعا في مصالح خاصة ، متعلقين بكرسي مغمور حتى منتصفه بالدماء ، لن يكون لهم فيه قرار ولن يمارسون عليه سلطة. 

الأكثر قسوة وإيلاما أن تجد اللامبالاة تعود فتخدر العامة وتجعل من مشاهد القتل والسحل اليومية اشياء لا تستحق ان نلتفت اليها فالصراع من أجل رغيف الخبز وانبوبة الغاز استهلك طاقتنا والاعلام الموجه لا يكف لحظة عن ممارسة الشعوذة . 

كيف تضخم الفساد وتغول وأحكم قبضته الى هذا الحد الذي اصبح له كل هذا الجند المسخر لرعايته وحمايته وتغذيته ومحاولة الابقاء عليه بأي ثمن مهما كان فادحا . 
نحن لم نطلب الا العدل لماذا عزت هذه الأمنية الى هذا الحد وما هي الصعوبة الشديدة في فهم هذا المطلب؟ 

<<الثورة يصنعها الشرفاء، ويرثها ويستغلها الأوغاد.>>
"تشي جيفارا"

السبت، 19 نوفمبر 2011

في غياب القائد

عشرة أشهر من قيام الثورة في مصر ، ومازال الخلاف والشقاق والتحزب سيد الموقف ، ندور في دوائر مغلقة ، تتصارع الارادات والرغبات ، وتتشابك الخيوط ، وبالرغم من أن الجميع يتحدث لغة واحدة ويكرر نفس الأحاديث عن الحرية والحقوق والعدالة وحب الله والوطن ، الا أننا نفشل في فهم بعضنا البعض ، ونفشل في الاجتماع على مبدأ واحد والثبات عليه ، ونفقد الثقة في جميع الوجوه والاتجاهات ، فالكل له ثمن ، وبين سيف المعز وذهبه تتغير الذمم وتتبدل الأقوال وتهتز المبادئ وتضيع حقوق المهمشين والذين لا يتقنون فنون اللعبة. 
عشرة أشهر لم يظهر لنا وجه يمتلك صفات وخواص القائد يستطيع جمع ما تفرق ، ويمكن الاعتماد على قدراته في ايجاد حلول للمشاكل المستعصية، أو يمكن الركون الى أمانته وقوته وقدرته على الصمود والحشد ، وحتى من يتخذون مواقف قوية وتعلو أصواتهم سرعان ما تتبدل أحوالهم ويغيرون اتجاههم بعد لقاء مغلق تعقد فيه مساومات لا علاقة لها بشعب يريد أبسط حقوقه الانسانية ولا يعنيه حسابات الكبار واتفاقاتهم.
عشرة أشهر لا زرع ولا حصاد ولا بارقة أمل في تغيير حقيقي يمكنه أن يصنع فارق ، فكأننا نعيش الخدعة الكبرى حيث كل شئ يتم بشكل صوري والجميع على الساحة يقدم اداء مسرحي غث وفاشل .
محاكمات صورية لا ترقى حتى لأن تسمى بالمهزلة وعندما يطالب محامي اهالي الشهداء برد المحكمة تُسقط نقابة المحاميين عضويته!! 
قانون العزل السياسي وقانون الغدر لم ولن يتم تطبيقهما، ومازال الفاسدون يمرحون ويستعدون للعودة الى المجلس بلا حسيب ولا رقيب متحدين الثورة والثوار والشعب.
البلطجة أصبحت سيدة الموقف فكلما ارتفعت الأصوات مطالبة بمحاسبة المفسدين واعادة الحقوق لأصحابها أطلقوا عليهم البلطجية لترويعهم واخراسهم في حماية قوات الأمن!
نظام انتخابي مختلط من أعجب القوانين بلا أي ضمان لنزاهة العملية الانتخابية اللهم الا وعود وعهود من لا يحفظ عهدا ولا وعدا!
لماذا فشلت الثورة المصرية في انتاج قائد قوي يتمتع بالأمانة والمثابرة والشجاعة الكافية لتحمل المسؤولية ، ويمكنه ضم الجميع في نسيج واحد تحت لواء واحد من أجل هدف واحد؟
لماذا فشلنا جميعا أن نكون على قدر المسؤولية ونوحد أهدافنا وجهودنا؟ 
لماذا لا يفهم الجميع أن هذه الفترة مصيرية فإما أن نكون ... أو لن نكون أبدا.